ثقافة

لكي نفهم الأدب (24) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

الاستطراد باب بلاغي مشهور لتأثيره النفسي؛ إذ يقوم على مغالطة المتلقي ومشاغلته عن المغزى الحقيقي قبل أن يجد نفسه دون سابق علم وجها لوجه مع ما لم يخطر له ببال!
تعود أصول هذا الباب – فيما أظن- إلى شعراء صدر الإسلام والدولة الأموية؛ حيث تكثر المقدمات الرقيقة الآسرة في النصوص الهجائية (دامغة جرير ولامية غيلان مثلا) ولكنه أصبح شخصية بلاغية ذات ملامح مكتملة في عهد الدولة العباسية، علي يدي أبي تمام والبحتري ونظرائهما.
يقول البحتري في إحدى غر قصائده:
أهلا بذلكم الخيال المقبل ** فَعَلَ الذي نَهْوَاهُ أو لمْ يَفْعَلِ
برق سرى في بطن وجرة فاهتدت ** بسناه أعناق الركاب الضُّلَّل
من غادة مُنِعت وتَمْنَعُ نَيْلَها ** فلو انَّها بُذلت لنا لم تَبْذل!
كالبدر غير مخيل والغصن غيـ ** ر مميل والدعص غير مهيل
وينفق في التشبيب اثني عشر بيتا يأخذ لب المتلقي فيها كل مأخذ ثم ينتقل إلى وصف فرس – وكل ذلك عادي- فيقول:
وأغر في الزمن البهيم محجل ** قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه ** في الحسن جاء كصورة في هيكل
يهوي كما تهوي العقاب إذا رأت ** صيدا وينتصب انتصاب الأجدل
متوجس برقيقتين كأنما ** تُريان من ورقٍ عليهِ مُوَصَّلِ
وكأنما نفضت عليه صبغها ** صهباء للبرَدان أو قُطْرُبُّل
ملك العيون فإن بدا أعطينه ** نظر المحب إلى الحبيب المقبل
إلى هنا لا يوجد ما يلفت الانتباه ولكن الكمين يبرز في منتصف البيت التالي حين يصل الشاعر إلى إحدى الصفات المحمودة في الخيل موظفا إياها في هجاء عدوه:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ** يوما خلائق حَمْدَوَيْهِ الأحول
ذنَب كما سحب الرِداء يذب عن ** عُرْفٍ وعُرْفٌ كالقناعِ المسبل
جذلانِ ينفض عُذرَةً في غُرَّةٍ ** يَقَقٍ تَسيل حُجولُها في جندل
وهكذا يستمر – وكان شيئا لم يكن- في الوصف الشائق لفرسه الذي امتطاه إلى هجاء حمدويه حتى البيت الثاني والثلاثين، ليوظف في الثناء على محمد بن علي القمي بقية النص البالغة اثنين وعشرين بيتا من أصل ثلاثة وخمسين هي مجموع أبيات القصيدة.
سبق البحتري إلى هذا أستاذه أبو تمام في قوله:
وسابح هطل التعداء هتان ** على الجراء أمين غير خوان
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ** فخل عينيك في ظمآن ريان
فلو تراه مشيحا والحصى فلق ** بين السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ** من صخر تدمر أو من وجه عثمان!
فقد أوهمنا أنه يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان!
وروى الصولي في “أخبار أبي تمام” عن عبد الله بن الحسين أنه قال: قلت للبحتري: إنك احتذيت في شعرك (المذكور أعلاه) أبا تمام، وعملت كما عمل من المعنى، وقد عاب هذا عليك قوم! فقال لي: أيعاب علي أن أتبع أبا تمام؟ ما عملت بيتا قط حتى أخطر شعره ببالي! ولكنني أُسْقِطُ بيت الهجاء من شعري.
قال ابن الحسين: فكان بعد ذلك لا ينشده. وهو ثابت في أكثر النسخ.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى