
لكي نفهم الأدب (22) الأستاذ محمدو سالم ولد جدو
لا شك أن من الضروري سلامة اللغة لأي عمل إنشائي أو إخباري، ضمانا لوصول الأفكار سليمة إلى المتلقي واحتراما للمظهر الذي تواضع الناس عليه؛ فاللغة هي الزي الرسمي! وهذه حقيقة لن تتغير.. حتى في عهد أصبح شعاره “كيف تصير كاتبا في خمس ثوان دون فكرة ولا تأهل”! وصار البعض ينشر ما يشبه ترجمة الشيخ “غوغل”.
والغريب أن الجاهل يتخذ من اقتناعه مرجعا أعلى، ويمنح نفسه الفيتو على كل القواعد المكينة، فيعفيها من التزامها أو مجرد تصورها، ويخلد إلى الأرض ويتبع هواه!
أتذكر أن أحدهم كتب يتزلف للرئيس بعيد عودته من رحلته العلاجية جراء الرصاص الغامض من ضمن ما كتب من غرائب “أفدتك النفوس يا بدر الشموس” وتباهى بذلك بحضوري، بينما كنت أخجل في سري نيابة عنه من عكسه المطلوب وسخافة تعبيره، فمن معاني “أفدتك” (كأعطتك) صيرتك فداء أو افتدت بك! ولو قال “فدتك” ثلاثيا لنجا من وبال الهمزة التي حولت التعبير 180 درجة. أما جعل ممدوحه بدرا مع شمس واحدة فيفقده مزيته ويخني عليه؛ فكيف وقد جعله “بدر الشموس”.
كان صديق لي من أقارب الرجل فنبهته سرا فدعاه وطلب منه سماع ما قلت فأعدته عليه مع الكثير من تدوير الزوايا تجنبا لجرحه. ملأ صدره هواء وانتصب وقال باستخفاف: “انت گلت ذاك.. يغير اصَّه آنَ ما.. ما.. ما اقتنعت بيه”. وكأنه حشر كل القواعد والمراجع التي تشهد له!
وانصرف ولسان حاله يقول لقريبه: تبا لك.. ألهذا دعوتني!
جرى هذا في نشاط ثقافي، وبعد خروجي منه يبدو أن صديقي أغراه بأخذ ملاحظتي بعين الاعتبار حتى غير رأيه، ولعله أمده برقم هاتفي فاتصل بي بعد ساعة معرفا نفسه بأنه “الطفل” (هو أشيب تجاوز الستين!) الذي جرى بيني وبينه الحديث الفلاني، وأنه تبنى ملاحظتي شاكرا ومعتذرا.
قلت له: لا عليك.. إنما هو نصح قدمته لصديقي فلان حين علمت أنه قريبك، وهو من تسبب في تقديمه إليك. ومن عادتي أن يرتاح ضميري بمجرد إبداء النصح، ولا يهمني بعد ذلك هل أخذ المنصوح به أم ضرب به عرض الحائط.
***
ومع أن سلامة اللغة ضرورية فلا شك أيضا في ضرورة موازنة الوضوح مع السلامة دون إفراط ولا تفريط لإيصال المقصود إلى المستهدفين به؛ وإلا فهو حديث النفس!
وإذا كان تكسير اللغة واقتحام معمان الكتابة دون سلاح وجوب مفاوزها دون زاد أمرا خطيرا على الفاعل قبل غيره بمسافة ضوئية، فإن التقعر في حوشيها ومطاردة وحشيها مذموم ومشعر بكِبْر الفاعل واستهانته بإيصال ما يفترض أنه رسالته إلى المتلقي. ومن أبلغ ما وقفت عليه في التعبير عن هذا الرأي قول صفي الدين الحلي (675 – 750هـ):
إنما الحيزبون والدردبيس ** والطَّخا والنُّقاح والعلْطبيس
ويعدد مفردات من هذا القبيل في بيتين آخرين عدلت إيرادهما رأفة بنفسي وبالمتلقي، ثم يقول عن الكل:
لغة تنفر المسامع منها ** حين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يذكر النافر الوحـ** شيُّ منها ويترك المأنوس
إن خير الألفاظ ما طرب السا ** مع منه وطاب فيه الجليس
أين قولي: هذا كثيب قديم ** من مقالي: عقنقل قدموس؟!
لم نجد شادناً يغني “قفا نبـ ** ـك” على العود إذ تدار الكؤوس
أتراني إن قلت للحِب: يا عِلْْـ ** ـقُ درى أنه العزيز النفيس؟!
أو تراه يدري إذا قلت: خَبَّ الـ** ـعير أنى أقول: سار العيس؟!
درست هذه اللغات وأضحى ** مذهب الناس ما يقول الرئيس!
إنما هذه القلوب حديد ** ولذيذ الألفاظ مغناطيس.
