
لكي نفهم الأدب (20) الأستاذ: محكدو سالم ولد جدو
ليس من الحتمي أن يكون النص الأدبي جيدا فيؤخذ، أو رديئا فيترك. ولو كان الأمر كذلك لهان الخطب!
الإشكال المستعصي على حسم الموقف أن يجمع النص الواحد بين ما يستحسن وما يستهجن، دون فكاك؛ فلا نسبة الجودة فيه تسمح بالإعراض عنه، ولا جوهرية المآخذ تسمح بـ”ابتلاعه بصوفه”!
من هذا القبيل قول محمد بن أحمد بن حمدان، المعروف بالخباز البلدي (ت380هـ / 990م):
أترى الجيرة الذين تداعوا ** بكرة للرحيل قبل الزوالِ
علموا أنني مقيم وقلــــبي ** راحِلٌ فيـــهمُ أمام الجِمالِ
مثل صاع العزيز في أرحل القو ** م ولا يعلمون ما في الرحالِ.
فما أحسن معناه المتوخى وما أجود توظيفه لقصة صواع الملك، ولكنه أضعف تأثير أبياته حين قال: “بعد الزوال” إثر قوله: “بكرة” وحين قال إن قلبه “راحل فيهم أمام الجِمال” مع ما في ذلك من حشو واضطراب في سياق الألفاظ وفي تحديد المكان!
وقريب منه قول الفرزدق مخاطبا يزيد بن عبد الملك في شأن توليته عمر بن هبيرة العراق:
أمير المؤمنين وأنت عف ** كريم لست بالطبع الحريص
أوليت العراق ورافديه ** فزارياً أحذ يد القميص
ولم يك قبلها راعى مخاض ** ليأمنه على وركيْ قلوص!
فقد اضطرته القافية -على ما يبدو- إلى ذكر القميص في التعبير عن خفة اليد (الخيانة) دون أن تكون بالمعنى حاجة إليه. ولعل الحنق طَوَّع له الإتيان بالبيت الثالث مع ما فيه من جهر بالسوء من القول!
ومن هذا (أعني موضوعنا الأصلي) قول أديب شعبي:
أونامس ذ ريت حد ** گال الفُولَ لِ گَوْلَ
امن عاگِبهَ ما ريت حد ** يعرف گولان الفُولَ.
فتراه استخدم إشارة القرب (ذ) للتعبير عن أمس الأول، وهو ما يلزم منه أن الأمد لم يطل بعد حتى يقول:
من عاگِبهَ ما ريت حد ** يعرف گولان الفُولَ!
والله أعلم لماذا لم يقل: “سابگهَ” عوض “عاگبه”! أو لعله قال فحرف الناقلون عنه.
وعكس تعبيره يقول آخر:
أهل اسويدين گالِّ ** حد انهم شور الغامس
خبر أونامس ذالِّ ** ما دونُ ماهُ يامس.

