
لكي نفهم الأدب (32) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
لكي نفهم الأدب (32) الشيخ ابن مكي (ت 19 /12 /1996) يرى أن الهجاء والغزل أحوج أغراض الأدب إلى “الأدب” وأن أجودهما ما يمكن إنشاده في كل زمان ومكان دون حرج أو خدش للحياء. ويضرب مثلا – صادقا- لذلك بـ”طلعة بقَّاسْ” من إنتاجه هو:
إلَى عَادْ الدَّهْرْ اعْلَ حَالْ ** الدَّهْرْ الِّ نَعْرَفْ مَزَالْ
وابْلاَ بَاسْ اُعِيدْ أُتِحْجَالْ ** ابْلَدْ فِيهْ النَّاسْ الْتِنگاسْ
مَزَالْ، أُمَزَالْ إلَ گالْ ** الِّ يِبْغِ حَدْ ابْلاَ بَاسْ
آنَ بَعْدْ الآنِ مَقِيسْ ** الِّ نِبْغِ نَوْعَدْ بَقَّاسْ
وِامْنْ النَّاسْ الْنِخْتَيْرْ انْگِيسْ ** الَّ ذَاكْ الْفِيهْ امْنْ النَّاسْ.
رغم كل الحصافة والتحفظات والاشتراطات التي تطفح بها “الطلعة والگاف” أعلاه؛ حتى ليخشى المتلقي أن يطوي الرجل سره في نفسه، فقد ساق الله إلى هذه التحفة الأدبية ما لم يخطر لأديبنا الكبير – رحمه الله- على بال فنقلها من خانة الوقار والرزانة إلى خانة الابتذال الرخيص، تجسيدا لرأي الحطيئة قبل الأخير “ويل للشعر من راوية السوء” وتصديقا لقول العرب الأقدمين في أمثالهم: “مِن مأمنه يؤتى الحذر” ولقول سكان هذا المنكب البرزخي: “احذر ما اتفك”.
من سمعوا هذا النص شفاها من قائله الكريم سمعوه يقول دون شك:
وابْلاَ بَاسْ اُعِيدْ أُتِحْجَالْ ** ابْلَدْ فِيهْ النَّاسْ الْتِنگاسْ
وهو غموض متعمد أتاح للنص عموما في الدلالة سمح باتساع دائرة تداوله دون حرج، وجعل ضرب صاحبه المثل به فيما نقلت عنه أعلاه حزا على المفصل.بيد أن أغلب الرواة – ومنهم كبار- أسقطوا الواو، وأعجموا العين فانقلبت غينا، وعرّفوا تحجال من قوله: وابْلاَ بَاسْ اُعِيدْ أُتِحْجَالْ (ولا بأس في قصدِ وتذكر..﴾ فانقلب المعنى إلى ما لا يحسن بي إيراده، ولا بالشيخ (من باب أحرى) إنشاؤه! فغدا النص المتين المتناسب المتماسك نشازا متناقضا مبتذلا، وفقد أهم ما توخاه صاحبه وباهى به.. وحق له ذلك.

