ثقافة

لكي نفهم الأدب (17) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

يقال: إن أبا نواس في مطلع رائيته الماجنة أراد أن تلج متعة الخمر إلى عقله (قبل أن تطرده) عبر حواسه الخمس (الشم، والذوق، واللمس، والبصر، والسمع). لفرط محبته إياها؛ فإنه إذا شرب الكأس جهرا أبصرها وذاقها ومسها وشمها، فبقي أن يسمعها، فلذلك قال:
ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمرُ ** ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهرُ!
فَما العَيشُ إِلّا سَكرَةٌ بَعدَ سَكرَةٍ ** فَإن طالَ هَذا عِندَهُ قَصُرَ الدهرُ
وَما الغَبنُ إِلّا أَن تَرانِيَ صاحِياً ** وَما الغُنمُ إِلّا أَن يُتَعتِعَني السُكرُ
فَبُح بِاسمِ مَن تَهوى وَدَعني مِنَ الكنى ** فَلا خَيرَ في اللَذّاتِ مِن دونِها سِترُ
.. إلى آخرها.
وإذا أخذنا بمذهب المرحوم حمدا فسننقل من حديث أهل التهتك والمجون إلى حديث أهل العلم والورع.
كان شيخاي الفاضلان نافع بن حبيب ومحمد سالم ابن عبد الودود – رحمهما الله- يجسدان اتحاد الهدف واختلاف الوسائل في أوضح تجلياته؛ وفي السنوات الأخيرة من عهد حزب الشعب الموريتاني اتخذ الأخير ما زعمه إصلاحات بشأن المرأة فقال الشيخ محمد سالم:
قرارات حزب الشعب جاءت مفيدة ** تُحِقُّ من الآمال ما الشعب عاقدُ
ولكنما التطبيق مُظهر نفعها ** فما لم يطبق فهْو للنفع فاقد
لقد رفع الإسلام سلمى مكانة ** مناط الثريا دونها والفراقد
ولم يعطها تلك الحقوق سوى فتى ** يشايعه ذهن على اللبس واقد
“يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ** ويعصي الهوى في طيفها وهْو راقد”.
(البيت الأخير للمتنبي)

وهو ما رد عليه الشيخ نافع بالقول:
قل الحق واصدع بالذي يقتضي الأمر ** فبالحق لا يستبدل النَّعَم الحمر
فخير نحاة الحق من كان معربا ** وأشرفهم من كان موقفه الجمر
وذو الحق لا يثنيه عن قوله هوى ** ولو أسرعت فيه الردينية السمر
فصرح بـ”من تهوى ودعني من الكنى ** فلا خير في اللذات من دونها ستر”.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى