
لكي نفهم الأدب (16) الأستاذ/ محمدو سالم ولد جدو
يظلم الشاعر المتلقين حين يرجمهم بكتل صماء جامدة خرساء تؤذي الوجدان وتهشم نوافذ العقول، أو بفقاقيع جوفاء تضمحل بمجرد ملامستها، وهو يحسب أنه أحسن صنعا!
ويظلمهم – زيادة على ذلك- حين يتوقع انتشاء وإعجابا لا محل لهما من الفؤاد المكلوم.
ثم تكون الطامة أن يحكم عليهم بـ”غلظ الحواف” وتبلد الشعور والجفاء وانعدام الذوق الأدبي.. وغير ذلك لأن رد فعلهم لم يكن كما منته نفسه!
الشاعر في ناحية والمتلقي في ناحية، ودلالة الكلمات تختلف بينهما اختلافا بينا؛ فالأول قادر على أن يتفاعل مع شعوره المجرد دون حاجة إلى الكلمات التي لا تعدو دلالات على كوامن نفسه، أما الثاني فالكلمات هي الخيط الواصل بينه وبين مرام الشاعر.
من الضروري أن يكون الشعر حيا لا جامدا؛ بمعنى أن يجسد فكرة، أو يصور مشهدا عقليا أو حسيا، أو يعين على تخيله على الأقل.
ومما يعجبني في هذا المجال رباعيات “إلى راعية” لجبران خليل جبران؛ ففيها أكاد أبصر بياض كوفية الراعي (أو شراعه الذي يعبر المراعي به) لولا أني أغمض عيني تفاديا لشعاع الضحى المستطير، وأكاد أسمع وقع أظلاف قطيعه على إيقاع صوته الشادي:
“سمراء يا أنشودة الـ ** ـغابات يا حلم المراعي”!
ويزيدني طربا بها ما أتخيله من وقع النُّسَيْمات السراع على وجهي، والأريج المنبعث من الغابات التي يتحدث الشاعر عنها!
إلى راعية
سوقي القطيع إلى المراعي ** وامضي إلى خضر البقاع
ملأ الضحى عينيك بالـ** أطياف من رقص الشعاع
وتناثرت خصلات شعـ** رك للنُّسَيْمَاتِ السراع
سمراء يا أنشودة الـ** غابات يا حلم المراعي
من فتنة الوديان لـ** ونتِ مراميك خصابا
وملأت هذا المرج ألـ** حانا و أنغاما عذابا
بين المرابع تشرديـ ** ن كظبية تهفو اقترابا
تتعشقين الغاب أشـ** جارا وتهوين الرحابا
يحكي الغدير صدى هوا ** ه إذا مررت على الغدير
ويصفق الشحرور حيـ ** ن ترفرفين على الصخور
تهوين قمات الجبا ** ل الشم أوكار النسور
وتسامرين معاطف الـ** وديان بالسفح النطير
وعلى مصب النبع في الـ** حنوات لاح خيال راع
كوفيةً بيضاءَ تسـ** بح في المرابع كالشراع
يشدو يقول وصوته الـ ** داوي يهيم بلا انقطاع:
سمراء يا أنشودة الـ ** غابات يا حلم المراعي.



