ثقافة

لكي نفهم الأدب.. (1) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

يقول الصمة القشيري (ت 95هـ) في عينيته الفريدة:
أَمِن أَجلِ دارِ بِالرَقاشَينِ أَعصَفَت ** عَلَيها رِياحُ الصَيفِ بُدءاً وَرُجَّعا
بَكَت عَينُيَ اليُسرى فَلَمّا زَجَرتَها ** عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أَسبَلَتا مَعا!
وقد بالغ الدكتور طه حسين (في “الأيام” على ما أظن) في استسخاف البيت الأخير لأن العينين إما أن تبكيا معا أو يرقأ دمعهما معا.. وهذا صحيح في الشخص الممتع بكريمتيه، ولكن ما لم يطلع عليه “العميد” فيما يبدو – مع سهولة استجلائه بزيادة، من قريب- أن الصمة كان أعور اليمنى كما نص عليه غير واحد ممن يؤخذ عنهم في هذا المجال.
قال المرزوقي في شرح ديوان الحماسة: وإنما قال: “بكت عيني اليسرى” لأنه كان أعور ممتعا بعينه اليسرى، والعين العوراء لا تدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبا، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنهما إذا زجرا ورُدَّا عن مواردهما زادا على المنكر منهما.
وقال اليزيدي في أماليه: كان أعور.

قال أبو زينب: هكذا تفوت نكت دقيقة ومعان فائقة إذا تضمن النص ما لا يمكن فهمه من خلال النص ذاته، وإنما يفتقر إلى “قرينة خارجية” ومثله كثير أشير إلى بعضه أدناه مرجئا الباقي إلى فرص أخرى:
يقول شاعر موريتاني:
وما ماء مزن في ذرى مرجحنة ** ولا ما أقرت في معاملها النحلُ
بأشهى من القول الذي قلتِ بعدما ** تمكن من حيزوم ناقتي الرحلُ.
القول المذكور هنا “فامباتكم”! وكان الشاعر قد تأهب لـ”التاسدبيت” حدثني بذلك الأديب الفاضل سليمان بن المجدد (الذي فقدتُ أخباره منذ مدة، وأتمنى أن يكون بخير) في خريف عام 1992 خلال مقيل باعرير (54 كيلو مترا جنوب العاصمة).
ويقول أديب شعبي في “گاف” نَدَّ علي صدره وبقي معي محل الحاجة منه:
دغرت وجهي بعد حت ** منت أحمد لكبير
واسم المذكورة لالَّه (والباقي واضح). حدثني بذلك صديقي العزيز الأديب الأريب محمدٍ ابن بدُّ المشهور بـ”بدن ولد انبَيْ” الذي لم ألقه منذ عام 2001 وأحييه من قلبي “والرجاء من الإخوان أن يبلغوه إذا هو لم يعلم”.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى