ثقافة

لكي نفهم الأدب (12) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

“تأخر الليل” اسم برنامج أدبي ناجح بثته إذاعة موريتانيا سنة 1986.
كان موعد البرنامج قبيل اختتام البث من كل ليلة ومن ثم جاء اسمه؛ فقد كان يبدأ 23.40 ويستمر عشر دقائق، وتتلوه التلاوة الختامية عشرا أخرى وفي منتصف الليل يتوقف البث.
كان يُعِدُّ البرنامجَ الشاعرُ محمد الحافظ ولد أحمدو الذي كان في بداية مساره الإعلامي وتقدمه الأستاذة بازَّه بنت أشفغ المختار، وأحسبها كانت في المرحلة الجامعية (بالمدرسة العليا للتعليم) فكان اختيار محمد الحافظ الموفق من أشعار القدماء والمحدثين وسواهم يصل المتلقي على متن إلقائها فيلج القلب دون استئذان.
وخلافا لما قد يظن ظَنون فلم يكن في إلقاء بازه أي تصنع أو تكلف وبذلك نجح البرنامج (هذا رأيي الشخصي ولا أحكم على غيري) لقد كانت تلقي الشعر إلقاء فصيحا سليما واعيا ينقل معاني المفردات والجمل وإحساس الشاعر إلى المتلقي فيصاب هذا بالعدوى.
كنت أحرص على سماع البرنامج في موعده (لم يكن يعاد) وفي إحدى الليالي تناول قصيدة المساء لخليل مطران، ورغم أني لم أكن أحسب فيها جديدا عليَّ – وإن كنت أستحسنها- فقد أخذ إلقاء بازّه بمجامع قلبي فانتابني شعور غامض مركب آل بي إلى الأرق معظم ليلتي!
وكما يحدث للأشياء الجيدة في هذا المنكب البرزخي “غُصِبَ شباب” البرنامج فلم يعش إلا حوالي ثلاثة أشهر، وفق أسطورة “امخاليگ النعت” ولكني لم أسْلُه رغم عبوري مرحلة الشباب وما يصاحبها من إحساس مرهف، ورغم مضي زهاء ثلاثين سنة على إطلالته البهية؛ بل ظل لسان حالي ينشد:
ليت الألى ظعنوا بالقلب إذ ظعنوا ** لم يظعنوا والألى لم يظعنوا ظعنوا.
لكي نفهم الشعر ويثير شجوننا ولواعجنا ويحرك البحيرات الراكدة في أعماقنا لا بد (حسب رأيي دائما) أن يفهمه الملقي أولا، ثم يكون الأخير ذا لسان فصيح خال من التكلف، ويراعي قوانين مرور الإلقاء من الابتداء والقطع إلى الفصل والوصل الواعيين والتدرجات التي تستلزمها المعاني، لا أن يَهُذَّ الشعر هَذًّا ويلقيه على عواهنه كما تلقى القمامة.
لا تكفي جودة الشعر لتحقيق تأثيره المطلوب كما لم تغن قيمة الماس واليواقيت عن جودة تنظيمها وعرضها!
Atvagha Al Mouhktar Abdoullah


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى