
في رحيل الشيخ ولد عينين.. محمد المنى
في رحيل الشيخ ولد عينينا.. «حَيثُ يَذهبُ كلُّ مَجْد»
——————————————
إنْ كان للدهر مِن عجائب، وله عجائبٌ بالقطع، فمنها الشيخ ولد عينيا بالقطع أيضاً. إنه رجلُ الدولة والمجتمع، رجلُ الدِّين والدنيا، الذي صدر نعيُه في نواكشوط ليلةَ الاثنين الماضي، عن عمرٍ ناهزَ 106 أعوامٍ عاشَها بمحبةِ الناس عرْضاً وباحترامِهم طولا.. فكان مِن بُناة الجمهورية وأُطرِها الذين لَقوا تقديراً كبيراً حيثما حَلُّوا.
كان رجلا متواضعاً في مهابة وأنَفَة، ليِّناً في قوة وثبات، طريفاً في جِدٍّ ورزانة، مَرِحاً في وقار ورصانة، شجاعاً في حكمة وتبصر، عصرياً في أصالة وتدين، تقليدياً بغير جمود ولا تقوقع، عابداً بغير مراءاة ولا تَمظهُر، كريماً جواداً بغير إسراف ولا تفاخر، سخياً معطاءً بغير تبذير ولا بَطر، حسنَ الهيئة جميل السحنة من غير تكبّر ولا غرور.. كما كان صاحبَ حكمة ورأي رشيد مِن غير أن يكون مستبداً ولا عنيدا. كان بكل خصائصه كيمياءَ نادرةِ المثال، بل كان أُمةً وحدَه في الخير والحق والبذل.. وكأنما عناه والدُه بالقول في إحدى قصائده:
كأن الدَّهرَ في كَفَّيكَ عانٍ /// فلا سُوءٌ لَدَيهِ ولا عِتابُ
إذا دَهرٌ أساءَ عَلى أُناسٍ /// فأنتَ بِمَا أساءَ لَه حِسَابُ
تُجاذِبُكَ النَّواحِي كلُّ قِطْرٍ /// لَه فيكَ التَّنافُسُ والجِذَابُ
تَطيبُ بكَ البِقَاعُ فَكلُّ أرضٍ /// حَلَلْتَ لَهَا رِيَّاحٌ تُستَطابُ
وَحَيثُ مَرَرْتَ في سَفَرٍ بأرضٍ /// مَرَرْتَ كمَا يَمُرُّ بها السَّحَابُ
وحيثُ أشَرْتَ في أمْرٍ بِرَأْيٍ /// أشَرْتَ كَمَا أشارَ بِه الحُبَابُ
بين العُقُل وآتكور، وذات نَجعة على الخط الممتد شمالا (خلال الخريف) وجنوباً (خلال الشتاء والصيف)، وُلد للعالم المتبحِّر والمُحدِّث المؤصِّل والشاعر الملفق الشيخ محمد فال ولد عينينا، وزوجُه المرأةُ الصالحة المشاركة الزغمه منت محمدن ولد حبيه، ثالثُ أبنائهما الذكور. وكان ذلك في عام 1920 الذي سمّاه الموريتانيون «عام الكَيت»، إذ فرض فيه الفرنسيون عُملةً ورقيةً جديدةً بديلا عن الفرنك الفرنسي الفضي القديم. وكما ارتبط «عام الكيت» بالتحول النقدي الجديد، فقد اقترن أيضاً برحيل شخصيات بارزة كان مِنها الشيخ الحسن ولد محَّم، «شيخ العامة» الذي سَمَّى عليه الشيخُ محمد فال مَولُودَه الجديد، لكن مع مرور الوقت اقتصرت التسميةُ على الشيخ. وتحت هذا الاسم أيضاً سجّلته الإدارةُ الاستعماريةُ ضِمن حصّة عشيرته من «أبناء الشيوخ» الخاضعين للتمدرس الإجباري.
في ذلك الوسط كانت «مدرسة النصارى» مَوضع رَفض قاطع لا تَردُّدَ ولا مساومةَ فيه. وما أن أصدر الفرنسيون قراراً بفتح مدرسة في أحد أحيائه البدوية، حتى بادرَ برفضها الجميعُ وهُم على قلب رجل واحد. وسَعَوا مِن أجل ذلك في التوسّط بكلٍّ مِن محمد ولد إبراهيم ولد الشيخ الحسن والشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديا، إلى أن تقرر إلغاؤُها والعودةُ عن قرار فتحها، فقال الشيخ محمدو ولد أحمذَيَّه في قصيدة من الرجز:
الحمد لله على ما نَفّسه//// مِن الكُروب وسُقوطِ المدرسه
مدرسةُ الروم عن أبناءِ الحسنْ//// وقَد يَراها غَيرُهم أمراً حَسنْ
وهم يَرونَها بِعَين الأرمَدِ //// ليسَ بِها هادٍ ولا مِن مُهْتَدِي
كان أَخْذُ الشيخ عنوةً مِن ذويه إلى المدرسة الفرنسية، وهو الطفل المدلل الذي أظهرَ دلائلَ النجابة والذكاء مبكراً، مَثارَ أحزانٍ وأشجان، لكنَّ أمَلَ والديه فيه لم ينقطع، فكانا يجتهدان بعزيمة قوية على تحصين عقيدته وتقويم لسانه خلال العطل المدرسية التي يقضيها معهما، كما لم يَفتُرا عن الإلحاح في الدعاء له بصلاح الدين والدنيا.
تَخرّج الشيخُ مِن مدرسة بوتلميت عام 1943، وقد أدرك المختار ولد داداه خلال آخر سنتين له فيها. ثم خضع لتكوين مهني لمدة عامين في سينلوي، ليبدأ مشواراً وظيفياً كان حافلا بالاجتهاد والعطاء والمثابرة، مطبوعاً بالأمانة والاستقامة والعفة. وكانت البداية في صيف عام 1946 حين أصدرت سلطاتُ المستعمر قراراً بتعيينه موظفاً في مصلحة الرصد الجوي بمدينة أكجوجت، ثم نقلته منها إلى أطار، فنواذيبو. بعد ذلك أصبح مديراً لمصلحة البريد في أطار عام 1953، ثم رئيساً لمركز جيكني الإداري عام 1960، فحاكماً له بعد تحويله إلى مقاطعة بموجب مرسوم حكومي منحه (أي جيكني) هذه الصفةَ في عام 1962.
وفي العام التالي أصبح الشيخ حاكماً لمقاطعة كيفه، لكنه انتقل منها في عام 1964 ليصبح أولَ حاكم لمقاطعة مقطع الحجار. وهناك اصطدم بآخر ضابط فرنسي يَقودُ التجمعَ الجهوي للحرس الوطني على مستوى ولاية لبراكنة، إثر قيام الشيخ بإطلاق سراح بعض الرجال كان القائدُ الفرنسي قد أصدر قراراً بسجنهم، لكن لدى قدوم الشيخ تبين له أنْ لا مبرر لذلك القرار، فأطلق سراحَهم على الفور دون الرجوع إلى القائد الفرنسي.
ومن المصادفات العجيبة أن إحدى حفيدات الشيخ، وكانت تجري امتحانَ شهادة الباكالوريا في أحد المراكز بنواكشوط، في التسعينيات، تعرضت لتعسف من قبل أحد المراقبين حين قرر حرمانَها مِن إجراء الامتحان؛ فرافقها الشيخ إلى المركز وقابل رئيسَه، ومان أن تعرف عليه من خلال الاسم حتى بادر بتقبيل يده، قائلا إنه ابنٌٌ لأحدِ أولئك الرجال الذين تحمّل الشيخُ مسؤوليةَ تحريرهم من السجن، رغم رفض القائد الفرنسي الذي تقع السجونُ تحت سلطته.
ترك الشيخ ذكريات طيبة وسمعة حسنة في كل الأماكن والمواقع التي أدى الخدمة العمومية فيها. وخلال سنواته في مقطع لحجار استطاع إنهاء العديد من النزاعات المحلية، وأحبََّه السكانُ كثيراً، لعدله في إدارة شؤون المقاطعة، ولقُوّته في الحق وعطفه على الضعيف ووقوفه مع المظلوم. ويذكر كبارُ السكان إلى اليوم أنه «ذو بركة» (أغظف)، بدلالة أن يوم قدومه إلى المقاطعة شهد تهاطلَ أمطار غزيرة ملأت سدَّ «المگطع» وأوصلته إلى منسوب لم يصله قبل ذلك بسنوات.
لم يكن الشيخ يُكِنُّ أيَّ ودٍّ للفرنسيين، فقبْل صدامه مع القائد الفرنسي في لبراكنه، كان كثيرَ التمرد على رؤسائه منهم في العمل، وكثيراً ما بادَلُوهُ كرهاً بكره. ومِن ذلك أنه ذات مرة، وهو رئيس مصلحة الرصد الجوي في أطار، قرر إعطاءَ معلومات خاطئة لملاح الطائرة التي كانت تقل وفداً فرنسياً أثناءَ نزولها في مهبط المدينة. وبالفعل فقد هبطت الطائرة وفقاً للمعلومات الخاطئة فاصطدمت بالمدرج، لكن دون وقوع خسائر بشرية بين ركابها. وعلى الفور تقررت إحالة الشيخ إلى محكمة خاصة في سينلوي، بتهمة «الشروع في القتل العمد». وقد توجّه إليها بالفعل، لكن بينما كان في روصو، وهو في الطريق إلى سينلوي، وصلت برقيةٌ غير متوقعة بإعفائه من المثول أمام المحكمة وبإغلاق ملف حادثة مهبط أطار، وبعودته فوراً إلى وظيفته.
انتقل الشيخ من وزارة الداخلية ليصبح مديرَ التجارة الخارجية بدايةً مِن عام 1969، وهو منصب حساس في حينه، بحكم تحكّم شاغِلِه في جميع الاعتمادات المالية التي يحتاجها التجارُ مِن البنك المركزي لاستيراد البضائع من الخارج. وقد شهد له مرؤوسوه في تلك الإدارة بصفات الاستقامة والأمانة وحسن التسيير. وهي صفات شهد له بها التجار خلال السنوات العشر التي أمضاها مديراً للتجارة الخارجية. لذا ما أن تقاعد عام 1979 حتى طلبته العديدُ من شركاتهم للعمل معها، وقد أصبح بالفعل مستشاراً ومديراً مالياً لدى شركات الشريف ولد عبد الله، والذي أوكل إليه مراسلاتِه ومعاملاته الخارجية. وقد عُرف عن الشيخ جودةُ تحريره باللغة الفرنسية، خاصةً المراسلات القانونية والإدارية والمالية، وهذا مما رغَّب الشركات في استقطابه والاستعانة بخبراته.
لكن مع تقدم الشيخ في العمر، كان يزداد نفوراً من اللغة الفرنسية، وكان يقول: «ماني راجي من مولانه انعود شيباني بافراريه يتكلم الفرنسية». وبالفعل فقد حقق الله له رجاءَه، حيث انفطم لسانُه نهائياً عنها وبدأ الابتعاد عن الاستماع للمحطات الإذاعية الفرنسية، كما احتفظ بأسنانه كاملةً وبرّاقة حتى لقي ربَّه.
استقر الشيخ في نواكشوط بدايةً مِن نهاية الستينيات، فأصبح عنواناً لمساعدة المحتاجين ونجدة الملهوفين وتفريج همِّ المكروبين. وكمْ حملَ من مرضى في سيارته إلى المستشفى وتابع حالاتهم ووفر لهم الدواء والغذاء وباقي احتياجاتهم. وكان مِن عاداتِه الثابتة تحميلُ سيارتِه يومياً مرتين، بالغداء والعشاء، في عشرات الأواني، والتوجه بها إلى المستشفى: هذا غداء فلان، وهذا غداء فلانة، وهذا عشاء علَّان وهذا عشاء علَّانة.. إلخ.
كان الشيخ يواسي الجارَ والقريبَ والمحتاجَ، يتفقد أحوالَهم عن كثب، بكل اهتمام وحرص. كان يتوسط لكل مظلوم وصاحب حق، ولم يَحدث أن ردَّ مسؤولٌ شفاعتَه، حتى قال الناس إن «معه بركة عظيمة»، والحقيقةُ أن سرَّ بركته كونه لا يتوسط إلا لصاحب حق ومظلومية، ولا يفعل ذلك إلا بنيةٍ خالصة لوجه الله تعالى.
كان الشيخ سنداً لأُسَرٍ كثيرةٍ جاءت إلى نواكشوط بلا مُعِيل، فساعدَها في الحصول على أرض سكنية، وفي بناء سكن يأويها، كما شجّعها على إلحاق أبنائها وبناتها بالمدارس.
في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات كانت سيارة الشيخ تجوب أحياء ذويه في نجوع وبوادي الترارزة كلَّ عام، للسلام وصلة الرحم وتفقُّد الأحوال وتقديم ما أمكن من عطايا ومعونات وهدايا. وكان يقدم لهم نصيحتان على الدوام: التقري والتمدرس. ورغم أن الجفاف أجبرهم أخيراً على التقري، فإن نظرتهم إلى المدرسة ظلت عصيةً على أي تغيير. والمفارقةُ التي لا يمكن تفسيرها إلا بقوة رسوخ الفكرة السلبية لديهم حول المدرسة، هي أن تجربة الشيخ لم تَكْفِ لإقناعهم بأنه يمكن للمرء أن يتمدرس دون أن يخرج مِن الدين أو ينسلخ من العقيدة. وهذا رغم أنهم يشهدون للشيخ نفسه بالخيرية والفضلية، وأنهم كانوا يلقبونه «شَيخُنا»، تزكيةً وشعوراً بالقرب والانتماء!
وكما عالج الشيخُ، وأنجد وواسى، فقد شجّع ووجَّهَ وأسدى النصحَ. ومن ذلك ما نقله أحد المعزِّين فيه عن والده المتوفَّى: جئتُ قادماً مِن البادية إلى دار أهل عينينا في أطار، وسرعان ما اكتشفَ الشيخُ أن لي مواهب في التجارة، فبدأ يشجعني ويوجِّهني ويُسْنِدُني، ثم لم يَلبث أن عزم عليَّ بالانتقال إلى نواكشوط، وفيها فتح الله لي أبوابَ الخير والنجاح.
كما قال أحد المعزّين، وهو من كبار رجال الأعمال: «أولُ ورقة نقدية ألمسها بيدي، وأنا تلميذٌ في مدرسة أطار، كان الشيخ ولد عينينا هو مَن أهداها لي. لكن هديتَه الأكبر كانت نصائحه الصائبة وتوجيهاتها الحكيمة التي كان لها الفضل في معظم النجاح الذي أحرزته في عالم التجارة والأعمال».
كانت دار أهل عينينا في نواكشوط من الدور القليلة التي لا تبدأ بتقديم العشاء إلا قرابةَ منتصف الليل، حرصاً على وصول الجميع وإشراكهم في الطعام. وفي هذه الجزئية يقول المرحوم أحمدو يحظيه ولد بابا نحمودي، وهو رجل ثقةٌ ثبْت، من أهل الدراية وضبط الرواية، عَقِب زيارته نواكشوط بدايةَ السبعينيات: «نزلتُ بدار الشيخ ولد عينينا، فكان مما هالني منظر أكداس الأحذية، وقد اقتضى ذلك بناءَ خيمة في الحوش لاستيعاب الجميع. وكنتُ أرى الشيخ، بعد العَشاء، يمر بنفسه على كل ضيف بمفرده ليتأكد أن لديه مخدة وغطاء. كان آخر مَن ينام، وكان من أهل الذكر وقيام الليل وتلاوة القرآن. رأيتُه يَذهب بسيارته من المسجد، بعد صلاة الفجر مباشرةً، إلى المخبز، ومنه يأتي بكميات ضخمة من الخبز والزبدة، فيوزع الفطورَ بنفسه على الضيوف، مع كؤوس شاي الصباح الذي كانت تُعدِّه آمنةُ منت محفوظ في أباريق كبيرة على جمر ملتهب».
ولا شك في أن من الأمارات الدالة على توفيقِ الشيخ وصلاح أمره وجودُ امرأة في حياته مثل آمنة منت محفوظ؛ فقد أعانته على صلة الرحم وحمل الكَل، وكانت له السندَ والعونَ في شؤون الدنيا والآخرة. كانت آمنة مِن سيدات النساء ذوات النفوس الكبيرة والهمم العالية، كما كانت عابدةً قانتةً، تُحْسِنُ، وتَبذُل المعروفَ، وتَكْتُم كثيراً مِن إحسانِها ومعروفِها.. وقد ظلت على ذلك النهج، بصبر وثبات، إلى أن لَقِيَّتْ ربَّها.
وكان للشيخ هو أيضاً همةٌ رفيعة في الخير ومعالي الأمور، ومن ذلك الرسالةُ الخطية التي بَعثَ بها إلى صديقه الرجل الصالح محمدن ولد الحافظ ولد أبي، خلال حَجّته عام 1968، يستنهض فيها همتَه من أجل الدعاء له في الحرمين المدني والمكي. يفتتح الرسالةَ بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأهل بيته، ثم يُوصي مُخاطَبَه بالدعاء له عند الروضة الشريفة، ويعدد ثماني حاجاتٍ واحدةً تِلْوَ الأخرى، على رأسها أن ييسر لله له «اتباعَ ما أَمَر به واجتنابَ ما نهى عنه»، ثم «حسن الخاتمة بعد طول العمر»، و«النصر في كل موقف»، و«الغنى الجميل والمال الحلال الكثير»، و«صلاح الذرية وغناها عما سوى الله»، و«علو المقام في الدنيا والآخرة». ثم يذكِّر مخَاطَبَه بأن «الكريم يَنهض إذا استنهض».
وكما يتضح جلياً، فلم يكن الشيخ يسعى من وراء زياراته للأسر الفقيرة، وعياداته للمرضى، وتَفَقُّدِه للجيران، وجولاته في البوادي للسلام وصلة الرحم، ونهوضه لمصالح المسلمين وتفريج هموم المكروبين.. إلى جَمع الأصوات الانتخابية، ولا إلى تعبئة المؤيدين، ولا إلى التقرب من أي سلطة. كان صديقاً للرئيس المختار ولد داداه، وكان وزراءٌ كُثُر مِن زملاء دراسته، لكنه لم ينتسب يوماً إلى أي مِن التنظيمات الحزبية التي حكمت البلادَ، ولم يشتغل بالسياسة، رغم أنه كان متابعاً لكل ما يحدث، وكانت له رؤاه الحصيفة حول الشؤون الوطنية والدولية. كما لم يسع إلى التوزير، رغم مكانته لدى الرئيس المختار.. بل كان سعيُه الأكبر وهمُّه الأول أن يؤدي أمانتَه وأن يوفقه الله إلى ما ينفع الناسَ ويمكث في الأرض.
لقد أمضى الشيخ سنوات عمره يصول ويجول في عالم البذل والعطاء، وفي ميادين البر والإحسان، وفي ساحات المعروف والفضل.. مبتغياً بذلك وجهَ ربه تعالى وحده، وقد استجاب فيه لدعوات والديه، ودعوات الرجل الصالح محمدن ولد الحافظ ولد أبي، ودعوات خلْق كثير ممن مَسحَ بلطف على جراح ضعفهم.
واليوم وقد فارق الشيخ هذه الدنيا الفانية، فإنه يبدو كما لو أن والدَه الشيخ محمد فال ولد عينينا كان يقصده حين قال:
وحَيثُ ذَهبْتَ يَذهبُ كلُّ مَجْدٍ /// وحَيثُ تَؤوبُ كان لَهُ مَآبُ
وحيثُ فُقِدْتَ أصبحتِ البَرَايَا /// كَما فَقَدتْ جَمَاجِمُهَا الرِّقَابُ
كأنَّ الناسَ بَعْدكَ في رَزَايَا /// دَعَامِيصٌ ذَوَتْ عَنْها الثِّغَابُ
فكيفَ يَطِيبُ بَعْدكَ عَيشُ قَومٍ /// فَمَا في العَيشِ بَعْدَكَ مُسْتَطَابُ



