
لكي نفهم الأدب (45) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
في ميمية الشيخ محمدُّ بن حنبل الخفيفية جذوة لم تخْبُ على تطاول الزمان ونأي المكان، إنها الهوى العذري، والشعور المترجم باقتدار، واللغة الرقرقة، والخيال المجنح في تركيب كيميائي شعري يشجي الخلي.
لا تملي – يا عين- رعي النجوم ** وانهلالات دمعك المسجوم
قد جنيت الهوى شهيا جناه ** فاستحالت ثماره كالسموم.
ولا يرى الشاعر غرابة في تبدل الماهية وانقلاب المآل، فهذا عالم التناقضات!
وكذاك الهوى إذا الواصل واتى ** كان قطعا من يانعات الكروم
وإذا الوصل عز منه منال ** أينعت بالهوى ثمار الهموم.
ويحدو الشاعر نفسه ومتلقي شعره إلى الملجأ المعهود في مثل معركته، بأركانه المعروفة: الأرق والدموع والصبر والإصرار..
فاهجري النوم واسفحي الدمع عيني ** صرمت حبل الوصل أم حكيم!
واصبرن قلبُ لا يهولنك لذع ** من لظى الوجد وارتكام الهموم
واقلبن المجن إن لام خل ** في هواها فأنت غير مليم.
وفي معترك الأمل والألم يشرئب من ظلمات الواقع المقيت إلى سنا الفجر المتمنى المحبوب رغم بعده وضعف احتماله.
ليت شعري، ودون ما أرتجيه ** من جدا تلكمُ مناط النجوم
أيحم الوصال منها فأطفي ** لهب الكرب عن فؤاد كظيم؟!..
وتعطلت لغة الكلام وتنحت الحروف عند قاعدة النصب التذكاري الذي أقامه الشاعر المقتدر للمذهب العذري المنقرض في خاتمة قصيدته:
لا يظنَّ الظنون أن مقامي ** بالينيبيع لاطِّلاب العلوم
بل لغربية تهب عشيا ** بشذاها فأشتفي بالشميم
فيردُ النسيم ماء حياتي** إن ماء الحياة شم النسيم
وركاب تفري الموامي إلينا ** من بلاد الحبيب فري الأديم
أو أري عين من رآها فألهي ** أسهم الكرب عن فؤاد كظيم
أو أرى عين من رأى عين راء ** عين من راء عين أم حكيم.
عن ملگاك ألا انحان ** حد الگاك إلى الگان
ولَّ يلگَ ذاك ثانِ ** نلگاه امن اُوراه
وال خاط ذاك مانِ ** متعلق بانراه
وانَ گاع احمدت لل ** لا تميت إلاه
نلگَ حد الگاك ولَّ ** نلْكَ حد الگاه!
حقا.. يقع الشاعر على الشاعر كما يقع الحافر على الحافر.


