تقارير

تقرير: موريتانيا معبر خطير للهجرة غير النظامية نحو جزر الكناري

سلّطت صحيفة The Observer البريطانية الضوء في تقرير مطوّل نشرته في السابع من مارس 2026 على تصاعد دور موريتانيا كنقطة انطلاق رئيسية لرحلات الهجرة غير النظامية المتجهة إلى جزر الكناري الإسبانية، مشيرة إلى الأثمان الإنسانية الباهظة التي يدفعها المهاجرون في هذا الطريق البحري الخطير، إضافة إلى الدور الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ صورة مضللة عن الهجرة إلى أوروبا.

 

ويستهل التقرير من مدينة نواذيبو الساحلية شمالي موريتانيا، حيث يقف عبد ديوب عند أطراف المدينة أمام قطعة أرض قاحلة لا تحمل أي علامة مميزة، غير أن المكان بالنسبة له ليس عادياً، إذ يؤكد أنه دفن فيه أكثر من ألف جثة لمهاجرين فقدوا حياتهم أثناء محاولتهم عبور المحيط الأطلسي خلال العقدين الماضيين، بحسب ما نقلته الصحيفة.

 

وأوضحت الصحيفة أن طريق الهجرة البحري الممتد من السواحل الموريتانية نحو جزر الكناري تحول خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى أحد أكثر المسارات خطورة في العالم. فقد لقي ما يقارب 9757 مهاجراً مصرعهم على هذا الطريق خلال عام 2024 وحده، ما يعني أن واحداً من كل خمسة مهاجرين يخوضون هذه الرحلة يفقد حياته وسط أمواج الأطلسي العنيفة.

 

وللمقارنة، يشير التقرير إلى أن المسار البحري عبر القنال الإنجليزي أقل خطورة بكثير. ففي العام نفسه توفي نحو سبعين شخصاً فقط من أصل سبعة وثلاثين ألفاً حاولوا الوصول إلى بريطانيا، وهو ما يعادل حالة وفاة واحدة تقريباً بين كل خمسمئة مهاجر.

 

ويبرز التقرير أيضاً شعارات يتداولها المهاجرون تعبيراً عن إصرارهم على خوض المغامرة رغم المخاطر، من بينها عبارة برشلونة أو الموت التي أصبحت تعبيراً شائعاً بين الشباب الساعين للوصول إلى أوروبا مهما كانت العواقب،
كما كشف التقرير عن دور بارز لوسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب المهاجرين وتشجيعهم على خوض هذه الرحلات،

 

فبحسب الصحيفة يستغل المهربون منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام للترويج لرحلات العبور، حيث تُنشر مقاطع مصورة تظهر مهاجرين مبتسمين على متن قوارب صيد، وتُقدَّم الرحلة في صورة مغامرة جذابة من دون أي إشارة إلى المخاطر الحقيقية أو أعداد الضحايا.

 

وتشير الصحيفة إلى أن الواقع الذي ينتظر كثيراً من المهاجرين بعد الوصول إلى أوروبا لا يقل صعوبة، إذ يجد عدد كبير من غير الحاصلين على وثائق إقامة أنفسهم عاجزين عن الحصول على عمل أو سكن مناسب، ومع ذلك يتجنب كثير منهم نشر معاناتهم الحقيقية على الإنترنت خوفاً من الحرج، فيكتفون بنشر صور توحي بالنجاح والاستقرار، الأمر الذي يرسخ أوهاماً لدى من بقوا في بلدانهم ويدفع مزيداً من الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

 

وفي إطار الجهود الدولية للحد من هذه الظاهرة، لفت التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي أبرم عام 2024 اتفاقاً مع موريتانيا تبلغ قيمته 180 مليون جنيه إسترليني بهدف تعزيز مراقبة الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر، وقد ساهم هذا التعاون في تراجع ملحوظ في أعداد الواصلين إلى جزر الكناري خلال عام 2025 بنسبة بلغت 60 في المئة، حيث وصل نحو 17500 شخص مقارنة بـ 46843 في العام السابق.

 

غير أن التقرير يشير إلى انتقادات وجهتها منظمات حقوقية لهذا التعاون، فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، وفق ما نقلته الصحيفة، انتهاكات خطيرة نسبت إلى قوات أمنية موريتانية مدعومة أوروبياً، من بينها حالات تعذيب واحتجاز تعسفي واعتداءات على مهاجرين، إضافة إلى عمليات ترحيل قسرية إلى مناطق حدودية خطرة في الصحراء قرب مالي.

 

كما يوضح التقرير أن شبكات التهريب لم تختفِ تماماً رغم الإجراءات الأمنية، إذ اختار بعض كبار المهربين الاختباء في مناطق مجاورة في انتظار هدوء حملات الملاحقة، ويظل العائد المالي الكبير عاملاً أساسياً في استمرار هذا النشاط، حيث تتراوح تكلفة الرحلة الواحدة للمهاجر بين 400 و1000 جنيه إسترليني.

 

وفي ختام التقرير تؤكد الصحيفة أن معظم المهاجرين الذين التقت بهم عبّروا عن إصرار قوي على تكرار المحاولة رغم المخاطر، مرددين الشعار الذي أصبح رمزاً لطموحاتهم برشلونة أو الموت، وفي الوقت ذاته يواصل عبد ديوب عمله الصامت في نواذيبو، حيث يدفن ضحايا مجهولين لن يعرف كثيرون أسماءهم.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى