آراء وتحليلات

حين تعجز البرامج… تتكلم الشائعات/ ذ. محمدعبد الله ول ابي

أحيي قرائي واعتذر عن الانقطاع ، لا عن عزوف، بل لأن الارتباط بالحقل القضائي، بما يفرضه من مسؤوليات عملية، يجعل الحضور في الميدان أسبق من الحضور على الورق ، غير أنّ هذا الارتباط، وإن بدا متقطعًا، يعيدني من حين إلى حين إلى الكتابة عن مشاغل الحقل ، خصوصًا حين تفرض الاستحقاقات نفسها، ويغدو الصمت ترفًا لا يليق بالمرحلة.

 

فالمحامي يكاد يضاهي القاضي في أهميته للعدالة، فهو قادر على لعب دور المساهم ان لم يكن المشارك في اقامة دولة مستندة على ركائز ثابتة، فالعدالة هي الاساس لبقاء الدول. من هذا المنطلق اهتم بالهيئة الوطنية للمحامين .

 

على كل حال سبق للنقيب الحالي، بونا ولد الحسن، أن خاض الاستحقاقات الماضية وخرج منها بفوزٍ مشرّف، في سياق لم يكن سهلًا ولا معزولًا عن محاولات التأثير والتشويش.

 

فقد تكالبت عليه قوى متعددة، لبست أكثر من ثوب، وسعى بعضُها إلى إضفاء طابع سياسي ذي نفس أيديولوجي على منافسةٍ مهنية خالصة. غير أنّ عقلاء المحامين تنبهوا مبكرًا لخطورة هذا المنحى، فتمّ تحييد الاستقطاب، وبقيت المعركة في إطارها الطبيعي: تنافسًا انتخابيًا مهنيًا، بعيدًا عن الصراعات التي لا تخدم المهنة ولا تنسجم مع تقاليدها.

 

اليوم، ومع اقتراب استحقاق جديد، يبدو أن الحنين قد عاد لدى بعض الأطراف إلى الأسلوب نفسه، مع إضافات لا تقل غرابة، فقد أُقحم هذه المرة بُعدٌ قبلي، على خلفية عدم اكتتاب مستشار في شركة «هوندونك»، رغم حيازته شهادة في الأدب الصيني، ويظهر ان زملاء مهتمين كانوا يريدو اكتتابه مهما كان الثمن ،وحسب الرائج ان النقيب لم يوافق على ذلك رغم ما يشاع عن وعده باكتتابه .

 

الأدهى من ذلك أنّ الحملة ضد النقيب الحالي لا تقودها خصومة مهنية واضحة، بل تقف جماعة اختارت – لأسباب يصعب تبريرها – أن تنسج الشائعات وتروّج التأويلات. وآخر ما استُحدث في هذا السياق الادعاء بأن اكتتاب أستاذ مستوفي الشروط يدعى ولد زروق أثار غضب السلطات، في مفارقة عجيبة، خصوصًا حين يتحول بعض المحامين إلى التفاخر بعلاقاتهم بالأمن، وكأن ذلك معيار مهني أو وسيلة تفاضل.

 

والحال أنّ الأستاذ ولد زروق استوفى الشروط القانونية المطلوبة كاملة، وتم اكتتابه وفق المساطر المعمول بها، دون محاباة ولا تجاوز. أما الزج بالمؤسسات والسلطات في سجال انتخابي مهني وادعاء انها تقف ضد زيد او مع علان ، انزلاق لا يليق بالمهنة، ولا يخدم سوى التشويش وإعطاء صورة غير مشرفة للمهنة، ودليل ان القيم تلامس الحضيض.

 

وقد اخبرني زميل ان مناوئي النقيب الحالي لجأوا لمختلف أساليب التشويه وتجاوزوا للإساءة عليه في غيابه ،والعارفون يسلكون يجزمون انه لن يرد اذا أسيء عليه في حضوره لترفعه عن بعض المستويات .

 

الأكثر إيلامًا في هذا المشهد أن تُقاد بعض هذه الشائعات بأقلام وأصوات زملاء لا تليق بهم هذه الممارسات، وهم الأدرى قبل غيرهم بأن الإشاعة لا تصنع شرعية، ولا تهزم إنجازًا، ولا تُكسب احترامًا. فالمحاماة، بحكم رسالتها ومكانتها، لا تنسجم مع ثقافة الهمس ولا مع أساليب التشويه.

 

ثم إن التجربة أثبتت، مرة بعد أخرى، أن هذا النوع من الحملات لا يأتي بنتيجة، ولا يغيّر قناعة الجسم المهني، بل غالبًا ما يرتدّ على أصحابه، ويكشف ضيق الأفق حين تعجز البرامج عن منافسة الحصيلة، ويغيب الخطاب حين يُستعاض عنه بالتشكيك.

 

إنّ منافسة النقيب الحالي تبدو، في الواقع، صعبة. فالمكاسب التي تحققت في عهده غير مسبوقة، والتضحيات التي قُدّمت من أجل المهنة معروفة، ومحصلة العمل تتحدث عن نفسها. ولذلك، ليس من السهل اختصار الطريق بالشائعات، ولا النيل من مسار بُني على الجهد والالتزام.

 

وفي النهاية، تبقى المهنة أكبر من الأشخاص، والاستحقاق الحقيقي هو الحفاظ على نقاش مهني راقٍ، يُحتكم فيه إلى البرامج والإنجاز، لا إلى الإشاعة والاصطفاف، ولا إلى خلط ما هو اجتماعي أو أيديولوجي بما يجب أن يظل مهنيًا خالصًا. فالمهنة لا تكافئ الضجيج، بل تُنصف العمل، وتحفظ الذاكرة لمن يستحقها.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى