
الأمن السياسي (ضرورة التواصل والتفاهم بين الشعب و قيادته) / الشيخ أحمد محمد يسلم سيدي المختار
إن تحقيق النجاح في إدارة الدول لا يقتصر على تسيير وإدارة الجانب الاقتصادي بنجاح، وإنعاش الخزينة العمومية، والحرص على أن تسير جميع المشاريع بوتيرة طبيعية، بل هناك ما يمكن أن نسميه بالأمن السياسي!
الأمن السياسي عبارة عن قدرة الدولة على تحقيق نجاح سياسي في إقناع الشارع، يجعل الدولة تزداد قربًا من وجدان وعقل المواطن، وتقطع الطريق على مروجي الفتن، الذين كلما طُلب منهم أن يساهموا ولو قليلًا في أداء ما عليهم من حق، حولوا الأمر إلى معركة مع المواطن.
إن تجربتي في مخالطة الشعب الموريتاني جعلتني أقتنع بأن إقناع هذا الشعب وتوضيح الأمور المهمة له ليس مهمة صعبة، لكنه يحتاج إلى لباقة، وحنكة، وحكمة، وخطاب فصل، وعلم بالنفس!
هناك أساسيات مهمة لا بد أن تدركها الوزارة الأولى وترفعها إلى رئيس الجمهورية، تتعلق كلها بالأمن السياسي:
– الشعب، رغم مشاغبته، ينصت كثيرًا حين يعلم أن هناك خطابًا مباشرًا وهامًا من الرئيس موجهًا إلى الشعب.
– رئيس الجمهورية نجح في خطاب النخبة والقادة، ومسؤولية نقل خطابه إلى الجماهير تقع على عاتق الجهات السياسية والناطق باسم الحكومة!
– إن ساعات يقضيها رئيس أو وزير في التدريب على الخروج من عقله الخاص، بما يحويه من تصور وتجربة وفهم ومعلومات ليست متاحة لأكثر الناس، إلى عقول العامة لمعرفة ما يدور فيها، والقدرة على مخاطبتها بما يفهمها حقيقة الوضع، لهي أهم وأكثر تأثيرًا في مصير البلد من كثير من الوقت والساعات، حتى تلك التي تمضي في معالجة الملفات، لأن السياسة باتت معركة تحتاج إلى أدوات أكثر تقدمًا وتأثيرًا!
– أحيانًا يكون الأمن السياسي يعاني بسبب حملة تقودها أطراف متعددة، وساعدتها ظروف معينة، كالحملات التي يتأثر بها المواطن بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الظروف. وفي هذه الحالة، ينبغي أن يتم التحضير لخطاب مباشر من رئيس الجمهورية أو من متحدث باسم الحكومة يكون خبيرًا بالخطاب السياسي، يشرح بوضوح أسباب الظروف الاقتصادية والمعيشية، ويعطي صورة دقيقة بلغة بسيطة عن الوسائل التي تمتلكها دولة نامية كموريتانيا، إضافة إلى الوسائل والأدوات الموجودة إداريًا، والمستوى الذي وصلت إليه الشفافية.
لا يجادل أحد في وجود الفساد وخطره، كما لا يجهل المطلعون أن محاربته ليست أمرًا سهلًا، بل هي معركة مع مرض متجذر، والأهم من ذلك ضرورة بناء الثقة بين الشعب والدولة في ظل نظام أعتقد أنه يملك الإرادة ويحتاج إلى الإدارة.
إن الواقع الاقتصادي للبلدان النامية معروف على المستوى الدولي، وإدارة هذه الدول والانتقال بها من واقع إلى آخر ليس أمرًا هينًا، بيد أنه في ظل انعدام الثقة واشتعال الأحقاد وانتشار الحملات المغرضة والشعبوية المقيتة، لا بد للدولة من خطاب سياسي قوي، وعقلاني، ومنطقي، وعلمي، يتفق مع المعلومات الاقتصادية والمالية والإدارية والواقع الاجتماعي. ومن دون ذلك، يظل الأمن السياسي في اهتزاز، وتظل شبكات التضليل تنمو يومًا بعد يوم.
الشيخ أحمد محمد يسلم سيدي المختار
باحث وناشط سياسي


