
نحو نظام برلماني في موريتانيا / الدكتور المصطفى ولد يكبر
طرح رئيس الجمهورية في خطابه أمام سكان أطار سؤالا بالغ الأهمية وهو: إلى أين تسير موريتانيا؟ وإن كان هذا السؤال يبدو استفهاميا وليس استنكاريا فقد فرض على النخبة السياسية تقديم إجابات عالجها كل من موقعه السياسي وحسب درجة فهمه للسؤال، ومساهمة مني في هذا النقاش أعتقد أن رئيس الجمهورية يريد أجوبة من خارج الصندوق ورغم ذلك فمحاولتي هذه ليس رأيا سياسيا وإنما هي محاولة لتقييم 65 سنة من شكل نظام الحكم في هذه البلاد، والدعوة إلى محاولة إيجاد بدائل قد تحقق لهذه البلاد الاستقرار والتنمية التي يبدو أن النظام شبه الرئاسي عجز عن تحقيقها.
إن ما عرفته موريتانيا من تحولات سياسية ودستورية متتابعة يفرض علينا التفكير في شكل نظام الحكم الحالي ومدى ملاءمته للواقع السياسي والاجتماعي للبلاد، ومن بين الخيارات التي يمكن أن تطرح للنقاش الوطني الانتقال من النظام شبه الرئاسي القائم إلى نظام برلماني يقوم على جعل الحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية مركز العمل التنفيذي، مع الإبقاء على رئيس الجمهورية باعتباره رئيسا للدولة وضامنا لاستمرار المؤسسات وحاميا لوحدة البلاد.
لا يعتبر هذه الاقتراح قطيعة كاملة مع التاريخ الدستوري الموريتاني فقد عرفت موريتانيا بالفعل نظاما برلمانيا في مرحلة تأسيس الدولة فقد نص دستور 1959م على نظام برلماني كان رئيس الحكومة فيه محور السلطة التنفيذية، ورغم أن هذا النظام لم يعمر طويلا فإن المسحة البرلمانية ظلت باقية في كل الدساتير التي أعقبت ذلك، وهو ما جعل بعض المراكز المهتمة بتصنيف الدول على أساس شكل النظام تضع موريتانيا في خانة الدول التي تطبق النظام شبه الرئاسي ـ البرلماني.
يقوم النظام البرلماني الذي نقترحه على إعادة توزيع المسؤوليات بين مؤسسات الدولة، فبدلا من أن تكون الانتخابات الرئاسية هي المحور الأساسي للحياة السياسية، تصبح الانتخابات التشريعية هي الوسيلة الرئيسية لتشكيل السلطة التنفيذية، ويكلف رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية، ويكون مسؤولا سياسيا أمام البرلمان، بينما يحتفظ رئيس الجمهورية بوظائف رئيس الدولة، والتحيكم بين المؤسسات، والاختصاصات السيادية التي يحددها الدستور، وهذا النموذج يمكن أن يسمح من حيث التصميم الدستوري، بالفصل بين استمرارية الدولة والتنافس السياسي على إدارة الحكومة.
قد يتساءل البعض وهو محق في ذلك، عن مدى ملاءمة هذا النظام للخصوصية الموريتانية وباعتقادي فإن موريتانيا تستطيع إن هي اختارت هذا المسار أن تبني نموذجا دستوريا خاصا بها يجمع بين خصائص النظام البرلماني وحاجاتها الوطنية، فالمجتمع الموريتاني متعدد اجتماعيا وجهويا وثقافيا والنظام البرلماني يمكن أن يجبر مختلف المكونات على التفاوض للوصول إلى السلطة، فبدلا من أن تكون المعركة السياسية من سيصبح رئيس الجمهورية؟ يمكن أن تصبح من يستطيع تشكيل أغلبية برلمانية قادرة على الحكم؟ ويمكن على سبيل المثال أن يحتفظ رئيس الجمهورية بصلاحيات محددة في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، وأن يكون ضامنا لاستمرارية المؤسسات، مع انتقال المسؤولية اليومية عن الحكومة والاقتصاد والإدارة إلى رئيس الحكومة الذي يستمد شرعيته من البرلمان، وفي المقابل ينبغي أن تكون صلاحيات رئيس الحكومة واضحة وأن تكون علاقته بالبرلمان محددة، وأن تمنع قواعد حجب الثقة وإسقاط الحكومات بصورة متكررة لأسباب سياسية ظرفية من خلال تبني مبدأ حجب الثقة البناء (لا يسمح بإسقاط الحكومة إلا مع تقديم بديل حكومي واضح وتحديد حالات حل البرلمان بدقة).
تطرح عملية الانتقال من النظام شبه الرئاسي إلى النظام البرلماني سؤالا حساسا يتعلق بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية، ومن هنا يمكن أن يطرح الحوار الوطني المقبل تصورا دستوريا انتقاليا يقضي بأن يستمر رئيس الجمهورية الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تكون مخصصة لإرساء النظام البرلماني الجديد وترسيخ مؤسساته، وضمان حياد الإدارة والقوات المسلحة وقوى الأمن ورعاية التوافق بين الأغلبية والمعارضة والإشراف على احترام المواعيد والقواعد الدستورية التي يتم الاتفاق عليها ومن هذا المنظور فإن قيمة الدور التاريخي للرئيس الحالي في هذه المرحلة لا تقاس بمدى بقائه في السلطة، وإنما بقدرته على المساهمة في بناء قواعد تضمن الفصل والتوازن بين المؤسسات وتمنح البرلمان والحكومة دورا أكثر فاعلية في إدارة الشأن العام، خصوصا أنه أكد في أكثر من مناسبة تمسكه بالوقوف على مسافة واحدة من أطراف الحوار الوطني وهو ما يمكن أن يشكل أساسا مناسبا لدور الضامن والمحايد في أي مسار إصلاحي توافقي.
وفي المحصلة فأنني أعتقد أن ظرفية التهدئة السياسية التي خلقها هذا النظام والنادرة في التاريخ السياسي الموريتاني تعتبر فرصة مناسبة للنخبة السياسية الموريتانية للجلوس إلى طاولة الحوار والبحث في الاشكالات السياسية التي تعيق تحقيق التنمية الشاملة وترسيخ الاستقرار السياسي خصوصا أننا في مرحلة من التوتر الدولي والإقليمي تفرض علينا تحصين البلاد داخليا، ورص الصفوف وتقديم التنازلات السياسية.
إن موريتانيا وهي تدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي قد تكون أمام فرصة لإعادة التفكير في هندسة نظامها السياسي بما يتلاءم مع حاجتها إلى الاستقرار والتوازن بين السلطات وتفعيل دور البرلمان والأحزاب السياسية ومن هنا فإن هذه الدعوة “نحو نظام برلماني في موريتانيا” لا ينبغي أن تكون دعوة لتغيير شكل الحكم فقط بل دعوة إلى بناء عقد دستوري جديد يحقق التوازن بين الاستقرار والديمقراطية وبين قوة الدولة وفعالية المؤسسات.



