
عمق العلاقات الموريتانية السعودية بين عراقة التاريخ والأبعاد الاستراتيجية / حمود ولد محمد راره
ليس من شك أن المملكة العربية السعودية ظلت على مر الزمن منذ نشأتها تحتل مكانة متميزة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
والواقع الذي يفرض نفسه اليوم بخصوص المملكة يقدم صورة الدولة الحاضرة في المحافل العالمية والمؤثرة في القرارات الدولية، ولها وزنها الذي تعترف به الدول وتقدره.
وهي لاعب سياسي محنك في هندسة صنع القرار وذات علاقات ممتازة يحترمها الجميع.
وبالنظر إلى العلاقات الثنائية التي تقيمها موريتانيا مع المملكة، فإن هذه العلاقات تكتسي أهمية استراتيجية، لكونها في واقع الأمر تتخذ أبعادًا تتجاوز المصالح السياسية التقليدية لتصل إلى عمق المصير المشترك.
ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن العلاقات، التي تولدت عنها شراكة قوية، ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي استمرار لنهج راسخ يهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي، في ظل التحديات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، مما يجعل التنسيق بين البلدين ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية.
ولذا حرص قادة البلدين الشقيقين فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان على تطوير هذه العلاقات والسعي دومًا في هذا الاتجاه.
ووفقًا لهذا الحرص تشعبت تلك العلاقات وتطورت لتشمل مختلف أوجه الحياة.
وفي مقدمة هذه الأوجه الروابط الدينية والتاريخية بين البلدين التي اتسمت بكونها جسرًا ممتدًا عبر القرون. فمنذ القدم، كان الحج هو القناة الرئيسية التي ربطت علماء موريتانيا التي عرفت إذ ذاك ببلاد شنقيط، بالبقاع المقدسة، حيث كان الشناقطة يقطعون آلاف الكيلومترات طلبًا للعلم وخدمة للرسالة الإسلامية.
وقد جعل هذا الارتباط الروحي من المملكة قبلة للقلوب الموريتانية، وهو ما أسس لقاعدة شعبية متينة تعززت بمرور الزمن وتجذرت على صعيد مختلف الممارسات الثقافية والاجتماعية.
لقد لعب علماء موريتانيا، أو ما عُرف بالشناقطة، دورًا حضاريًا مشهودًا في المملكة، حيث ساهموا في المؤسسات الأكاديمية والشرعية، مما شكل صورة ذهنية مشرفة للشنقيطي في الخارج. لقد برز الموريتانيون هناك كحملة للواء اللغة العربية الأصيلة والاعتدال الفكري، مما منحهم حضورًا نوعيًا في الجامعات والمساجد والمجالس الثقافية السعودية. هذا الإرث العلمي هو ما يمنح الجالية الموريتانية اليوم قوة دفع معنوية لتقديم صورة تليق بمكانة موريتانيا.
إن حجم الجالية الموريتانية في السعودية يمثل اليوم وسيلة مثلى ورافدًا مهمًا من روافد العلاقات الثنائية. فهي، أي الجالية الشنقيطية، بما تضمه من شخصيات متميزة وعلماء وأفراد عاديين، بتنوعهم، يشكلون جسرًا حيًا للتواصل اليومي.
ولذا فهم محملون بطبيعة تواجدهم على أرض شقيقة قوية الروابط مع منبعهم برسالة سامية حدد إطارها العام توجه وسعي قادة البلدين.
إن قدرتهم على تحقيق حضور متميز إعلاميًا وثقافيًا تظهر بوضوح قدرة الموريتاني على التكيف الإيجابي والتميز العلمي، وهو ما يخدم أهداف القوة الناعمة لموريتانيا، حيث يبرز أعضاء الجالية كنماذج للنزاهة والالتزام المهني والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ومهما قيل وكتب، تبقى مسؤولية أي فرد كان من أفراد هذه الجالية في تمثيل وطنه ضرورة قصوى، بل من آكد الأمور. إن الارتباط بالوطن الأم ليس مجرد حنين، بل هو مسؤولية حضارية تتطلب منه أن يكون سفيرًا حقيقيًا يعكس قيم الشعب الموريتاني الأصيلة. إن نجاح الفرد الموريتاني في السعودية هو نجاح للمسيرة الوطنية، وهو ما يستدعي منه دومًا التشبث بمبادئ حسن التمثيل والالتزام بالقوانين المحلية، والمساهمة الفاعلة في نقل الخبرات والتجارب النوعية التي يكتسبها في المملكة إلى أرض الوطن، لتعزيز مسار التنمية والنهضة التي تنشدها موريتانيا. وتقوى وتتعزز أواصر الأخوة الصادقة والمحبة الأصيلة وفقًا لإرادة القيادتين المظفرتين، حفظهما الله ورعاهما. وأدام على الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة العربية السعودية الأمن والاستقرار.
وفي منحى آخر لا يقل أهمية عن سابقيه يظل تمثيل البلاد في المنظمات الدولية ذات الشأن مسألة جد مهمة بالنسبة للبلاد.
وفي هذا السياق يحضرنا فوز معالي وزير الخارجية السابق وممثل الأمم المتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد بمنصب الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهي ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة.
ولئن كان هذا الفوز يضيف لبنة جديدة على حضور الموظف الموريتاني في الهيئات الدولية، فإنه في حد ذاته يشكل انتصارًا لجهد دبلوماسي كبير وإنجازًا على صعيد الدبلوماسية الموريتانية، وليس من المصادفة في شيء أن يجسد جانبًا مهمًا من قوة العلاقات الموريتانية السعودية، إذ كان دور المملكة في دعم مرشح موريتانيا حاسمًا لمكانتها الكبيرة في المنظمة.
ولا يمكن أن نغفل دور سعادة سفير بلادنا المختار ولد داهي في هذا الجهد، حيث كان نشطًا ويتحرك بديناميكية مشحونة بحنكة وخبرة في شؤون الدبلوماسية.



