
لكي نفهم الأدب (49) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
إضافة إلى النهج المعهود قد يتغزل الأدباء الشعبيون بمسنة على وجه التظرف والدعابة وضد الواقع، ولكن الشعراء العرب تفننوا في إضفاء سوابغ الشباب على المحبوب ووصف رونقه وروائه، مع استثناء يؤكد القاعدة أحيانا.
أبو وجزة السعدي تعلق ابنة سبعين (أو ستين في الأغاني) وإن زعم أنها من معدن ممتاز ولذا فهي تتجدد، فقال:
يا أيها الرجل الموكل بالصبا ** فيم ابن سبعين المخلد من دد؟!
حتام أنت موكل بقديمة ** أمست تجدد كاليماني الجيد
ولم ينس أن يضفي عليها ما يناسب الشيخوخة من وقار وحكمة فقال:
زان الجلال كمالها ورسا بها ** عقل وفاضلة وشيمة سيد
ويبدو أن الهوى قديم قدم الشاعر ومن يهواه؛ لذا يعود إلى سابق العهد فيقول:
ضنت بنائلها عليك وأنتما ** غران في ظل الشباب الأغيد
فالآن ترجو أن تثيبك نائلا؟ ** هيهات نائلها مكان الفرقد!
أما المرار الفقعسي فيبعث من الغيب إشعارا إلى ابن أحمد يوره بأن الشيب يعشق صاحبه حين يقول:
أعلاقة أمَّ الْوُلَيِّدِ بعدما ** أفنان رأسكِ كالثغام المخلس؟!
(انتبه.. كاف رأسكِ مكسور على خطاب المؤنث).
يوم ارتمت قلبي بأسهم لحظها ** أم الوُلَيِّد في نساء غُلَّس
من بعد ما لبست مليا حسنها ** وكأن ثوب جمالها لم يلبس
بيضاء مطْعمة الملاحة مثلها ** لهو الجليس وغرة المتفرس
وأما لهنك من تذكر أهلها ** لعلى شفا يأس.. وإن لم تيأس!
يتفق النصان في البحر (الكامل) وفي عروضه وضربه الصحيحين؛ وهو ما يناسب الرزانة والتمام اللذين يناسبان الحديث عن الشيخوخة، رغم أن الشاعرين لم يقصدا ذلك؛ بل جاء عفو الخاطر فيما أعتقد.



