
لكي نفهم الأدب (34) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
الأنانية صفة ذميمة بإجماع من يعتد برأيهم، باستثناءات قليلة في بعض حدود ما تقضي به جبلة الحفاظ على النوع والنفس. والشاعر امرؤ صديق لفضائل الشيم مناوئ لرذائلها صريحا أو ضمنا. (هكذا يفترض). والأشعار والأمثال وسائر المأثورات طافحة بتمجيد الإيثار والتضحية وحميد الخصال.. ورغم ذلك تبرز الأنانية بقوة من حيث لا تُحتسب في كثير من الأحيان.
فإذا كان أبو فراس الحمداني الفارس الشاعر الذي طار صيته وذاع شعره وحافظ أبو الطيب المتنبي (في عهده الشامي) على مسافة مناسبة بينه وبينه (كالسائق اللبيب) تجنبا لأي احتكاك غير مأمون العواقب، لدرجة الكف عن مدحه، مع أنه مدح من هم دونه من حواشي ابن عمه سيف الدولة وأتباعه. وإذا كان (أبو فراس) خاطر بنفسه وعانى الأسر والجراح، وعاش متعرضا للموت على الثغور..
إذا كان كذلك (وهو كذلك دون شك) فإنه القائل:
معللتي بالوصل والمَوتُ دونه ** إذا مت ظَمآنا فلا نزل القَطرُ!
ولا يقتصر هذا على أبي فراس؛ فقد ظلت أفاعي الأنانية تطل من جحور أبيات الشعر قديما وحديثا حتى وصلت عصرنا الحاضر فغيرت ملامحها -كالكائنات المخادعة- انسجاما مع بيئتها الجديدة، فأينعت في دواوين الشعر واجتليت على ألسنة الكثير من الشعراء من أمثال جورج جرداق (ت 2014) القائل:
يا حبيبي طاب الهوى، ما علينا ** لو حملنا الأيام في راحتينا
صدفة أهدت الوجود إلينا ** وأتاحت لقاءنا.. فالتقينا
في بحار تئن فيها الرياح ** ضاع فيها المجداف والملاح..
وما دام الشاعر نال الهناء فليضطرب الكون أو لينفجر، ولتغتلم بحاره وليته ربابنة سفنه ولتخرق أشرعتها.. وفق فلسفة القائل: “إذا شربت أنا فلتنهر البئر” الذي ينبغي رفع الملامة عنه ما دام كبار الشعراء على مثل رأيه.



