
لكي نفهم الأدب (25) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
يقول الفرزدق هاجيا جريرا وفئته من تميم:
لعن الإله بني كليب إنهم ** لا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ** وتنام أعينهم عن الأوتار!
ولو اقتصر أبو فراس على قوله: “لا يغدرون” لكان مدحا، وصار اللعن تجنيا منه على أبي حزرة وقومه؛ فالوفاء من الشيم الحميدة، ولكنه لما قال: “ولا يفون” أفاد أن سبب عدم الغدر إنما هو عجزهم، كما أن سبب ترك الوفاء لؤمهم. ثم زاد بإيغال حسن؛ فلو اكتفى بقوله: “لا يغدرون ولا يفون” لتم المعنى المقصود، ولكنه انتهز احتياجه إلى القافية لإفادة معنى زائد؛ حيث قال: “لجار”! لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من ترك الوفاء لغيره.
ومن قبيل ما يفتقر أوله إلى آخره أبيات من لامية السموأل المشهورة لو اقتُصِر على أوائلها لانعكست دلالاتها:
وما مات منا سيد حتف أنفه ** ولا طُلَّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا ** وليست على غير الظبات تسيل..
فلو اقتصر على الشطرين الأولين لتوهم الملقي أن القوم لحم على وضم، ولكنه أفاد بقوله: “ولا طُلَّ منا حيث كان قتيل” أن دماءهم ليست رخيصة فتذهب سدى مهما نأت مصارعهم، لِحَمِيَّتهم وقوة شكيمتهم. كما أفاد بقوله: “وليست على غير الظبات تسيل” أنهم لا يموتون حتف أنوفهم موت الجبناء بل في ميادين الوغى.
ويقول في القصيدة ذاتها:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ** ولا ينكرون القول حين نقول
فالشطر الأول لا يفيد أكثر من الاعتراف بالفوضوية وسوء الأخلاق، ولكنه حين يضم إلى تاليه يفيد هيبة ومكانة ورأيا وبلاغة للشاعر وقومه.
والله أعلم.

