
لكي نفهم الأدب (14) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
يقول الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي الشهير بأبي فِراس الحَمَداني (320 – 357هـ/ 932 – 967م) الأمير الفارس الشاعر:
قاتِلي شادِنٌ بَديعُ الجَمالِ ** أَعجَمِيُّ الهَوى فَصيحُ الدَلالِ
سَلَّ سَيفَ الهَوى عَلَيَّ وَنادى: ** يا لثَأرِ الأَعمامِ وَالأَخوالِ!
كَيفَ أَرجو مِمَّن يَرى الثَأرَ عِندي ** خُلُقاً مِن تَعَطُّفٍ أَو وِصالِ
بَعدَما كَرَّتِ السِّنونَ وَحالَت ** دونَ ذي قارٍ العُصُورُ الخَوالي
مَا دَرَتْ أُسْرَتِي بِذِي قَارٍ اَنِّي ** بَعْضُ مَن جُندِلُوا مِنَ الأَبْطَالِ
أَيُّها المُلزِمي جَرائِرَ قَومي ** بَعدَما قَد مَضَت عَلَيها اللَيالي
“لَم أَكُن مِن جُناتِها عَلِمَ اللَـ ** ـهُ وَإِنّي لِحَرِّها اليَومَ صالِ”!
وهي أبيات من النوع الذي يستعصي بعض معانيه ومراميه على مفردات اللغة؛ تقطر رقة وشجوا فتأسر المتلقي، حتى لو لم يعلم بعض مضمونها وإيحاءاتها، ولكن استحسانها يزداد إذا علم المتلقي أن الشادن (وهو لغة صغير الغزلان) أعجمي الهوى لأنه فارسي، فصيح الدلال لأن لهذا لغة تتجاوز حواجز اللسان. وأن الشاعر وائلي تغلبي، ومن ثم أن موقعة ذي قار المشار إليها كانت بين العرب والفرس وأبلى بنو وائل قوم الشاعر (خصوصا بني عمومته البكريين) فيها بلاء حسنا كحنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي (مُقَطِّع الوُضُن).
وفيها يقول الأعشى الكبير:
لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا ** في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ
وكان زهاء مائتيْن من تَميم أسرى في بَكْر (أكثرهم من بني رِيَاح بن يَرْبوع) فقالوا للبكريين: خَلُّوا عنّا نُقاتلْ معكم فإنما نَذُب عن أَنفسنا. قالوا: نخاف أن لا تناصحونا. قالوا: فدعونا نُعلم حتى تروا مكاننا وغَناءنا.. وفي هؤلاء يقولُ جرير:
منّا فوارسُ ذي بهْدِي وذي نَجَب ** والمُعْلَمِون صباحاً يوم ذِي قار
كان يوم ذي قار سنة 609م أو بعدها، وروى الطبراني في المعجم الكبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه (1224): «هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم» زاد في رواية (5387) «بي نُصروا».
بقى القول إن البيت المضمن للحارث بن عباد البكري من قصيدة مشهورة في حرب البسوس؛ حملت إلى بكر بشرى ترجيح كفتها جراء تغير موقف الحارث من الحياد إلى الهجوم كما هو مبسوط في مراجع التاريخ والأدب.

