
رمضان كما عشته (25) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
في أواخر رمضان 1413 أو 1414هـ (مارس 1993 أو 1994م) أزمعت قضاء عطلة عيد الفطر مع العائلة خارج العاصمة، وأثناء استعدادي للسفر أردت شراء خاتم من ذهب لأختي المراهقة وقتذاك. ولم أعتمد إلا على الله ثم حسن ظني، مع كون العاصمة مليئة – ولله الحمد- بقرائبي وزميلاتي ومعارفي؛ بل فيها بعض أخواتي وبناتهن، بارك الله في الجميع.
دخلت السوق المركزية – وقد قام قائم الظهيرة- واتجهت إلى باعة الحلي، فرأيت شيخا اطمأنت نفسي إليه فسلمت عليه وصَدَقْته القول إني أريد شراء خاتم من ذهب ولا أعرف الذهب وإنما آتمنه وأُصَدِّقه فيما يقول، فطمأنني وعرض علي مجموعة من الخواتم وقع اختياري على واحد منها فأخبرني أنه عيار 24 واستشهد بجاره بالجنب فشهد له، وحين أعدت السؤال بغية التأكد فغر فاه وبدأ يدير لسانه على لثتيه فخجلت وغضضت بصري فورا، ولم أكن لأفهم المقصود لو لم يقل: “آنَ يَوُلِّي ما افُّمِّي دَقّْ، أُگدِّي مَا يِكْذِبْ” فاعتذرت إليه ونقدته 16.000 حدد بها ثمن الخاتم وانتهى الموضوع بالدعاء المتبادل وانصرفت إلى حيث باصات النقل غرب السوق. ركبت “ميكرو باصا” من فئران “رينو” المعدة للأطفال التي كانت تنشط بين مركز الاستطباب وبين السبخة والميناء في تلك الحقبة؛ حاملة الكبار والأمتعة. وفي “الميكرو باص” رأيت امرأة فناولتها الخاتم وسألتها عنه – ولا أعني سوى منظره، فأنا مطمئن من ناحية ماهيته- فقالت: “ألّا اذهب حكما” فلم أفهم مرادها فسألتها: وما هو؟ بدت حذرة ودبلوماسية.. وبعد انتقاء للمفردات قالت ما معناه أنه من مادة تسمى “گرانتي” وتسمى ذهب الفقراء لأنها تستعمل استعمال الذهب دون جهد مادي، ازداد عجبي فسألتها: كم ثمنه؟ قالت: “حد شراي يشريه باخمس ميه، احد ماه شراي يلحگ فيه أسبع ميه”. بدت متأكدة مما تقول وكان الأمر صادما لي فأردت التأكد بنفسي فنزلت (وقد شارفنا العيادة المجمعة) وعدت إلى صاحبي فوجدته كما تركته، ويخيل إلي أن أثري ما زال واضحا خلف معروضه فحدثته بما تبين عسى أن يكون في الأمر خطأ، فنفى أن يكون سبقت له رؤيتي وشهد له جاره بالجنب – أيضا- بأنه لم يرني جئته ولا اشتريت منه! كنت موقنا ومع ذلك اتهمت نفسي فدرت فلم أزدد إلا يقينا، ولكن لم أجد فائدة من الخصام، فابتلعت هزيمتي كما ابتلعت أخوات لها من قبل ومن بعد جاءت كلها من حيث لا أتوقعها، وانصرفت إلى حال سبيلي. ثم علمت أن عيار 24 نسج خيال، وأن أعلى عيار في الذهب المعد للتحلي 21. أثناء وجودي خارج المدينة علمت أن حريقا مؤسفا شب في السوق المركزية فلم أستغرب أن يخسف بها لولا حلم الله تعالى إذا كان يجري فيها مثل ما رأيت أنا.
