ثقافة

فتح مكة غزوة رمضانية… يعقوب بن عبدالله بن أبــــن

بدر الكبرى هي أول معركة قتالية جمعت الرسول صلوات الله وسلامه عليه و أصحابه مع قريش كانت في 17 من رمضان في السنة الثانية من الهجرة واحتفل المسلمون بعدها بباكورة انتصاراتهم على هامش تخليد أول عيد فطر في الإسلام ، ومن الغريب أن آخر معركة جمعت المهاجرين والأنصار، ببني النضر بن كنانة كانت أيضا في أواسط رمضان في السنة الثامنة للهجرة وهي غزوة فتح مكة .
بزغ نجم شيبة بن هاشم بعد وفاة عمه المطلب بن عبد مناف وحل محله في السيادة و السقاية والرفادة، إلا أن عمه نوفل سرعان ما بدأ في مضايقته حيث اغتصب منه بعض الأفنية والساحات المجاورة للحرم ، حاول عبد المطلب أن يجد حلا للنزاع العقاري من داخل البيت القرشي، لكن سادة مكة فضلوا الحياد وقرروا عدم الدخول بين الرجل وعمه. فلجأ عبد المطلب إلى أخواله من بني النجار فتدخلوا بسرعة وأرغموا العم على رد أملاكه لإبن أخيه.
بعد هذه الحادثة حالف نوفل بني أخيه غير الشقيق عبد شمس (أم نوفل واقدة بنت عمرو المازنية)، فاضطر عبد المطلب إلى عقد حلف مكتوب مع أخواله خزاعة (أم قصي هي فاطمة بنت سعد الخزاعية). وقد جلبت وثيقة الحلف المذكور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبسوط بنصه في السيرة الحلبية. وبعد توقيع صلح الحديبية اختارت خزاعة الدخول في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم و وقد دام السلم الأهلي بعدها 18 شهرا.

ذهب مالك بن عباد الحضرمي قبيل الإسلام بتجارته إلى خزاعة، فاغتالوه ونهبوا أمواله و كان حلفه إلى الأسود بن رزن البكري، فعمد الأخير إلى رجل من خزاعة فقتله بدم حليفه، فردت خزاعة بقوة على هذا الحادث حيث قتلت أبناء الأسود الثلاثة سلمى وكلثوم وذؤيب بعرفة عند أنصاب الحرم. وكانت بنو الديل من هامة كنانة ولشرفهم يؤدون ديتين.

منع ظهور الإسلام المفاجئ والأحداث المتسارعة التى تلت الهجرة المباركة، بني بكر من أخذ ثأرهم من خزاعة، لكن ما إن استتب الأمن بعد صلح الحديبية حتى تذكر بنو الديل الطعن بعد نسيان فبيَّت نوفل بن معاوية ورهطه بني نفاثة خزاعة بماء لهم أسفل مكة يُدعى الوتير و أصابوا منهم رجلا يدعى منبها، وهربت خزاعة إلى الحرم إلا أن نوفلا لم يحترم الحرم وقال لأصحابه: إنكم لتسرقون في الحرم فكيف لا تأخذون بثأركم فيه. فقتلوا منهم رجالا فلجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء في مكة. ومن المؤكد أن هذه الغارة كانت بدعم وتخطيط من قريش حيث أن بكرا قررت الدخول في عهدها و لا يمكن لها خرق اتفاق الحديبية دون مباركة حليفتها .

بادر عمرو بن سالم الخزاعي بالذهاب إلى المدينة بهدف إشعار حلفائه بغارة بكر الخاطفة، وأراد أن يكون وقع رسالته مؤثراً فجعلها شعراً رجزياً رائعاً و أنشده بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين أصحابه فقال:

يارب إنــي ناشــــد محـــمدا *** حلف أبــــــــينا و أبيه الأتلدا
قد كـــــــــنتم ولدا وكنا والدا *** ثمت أسلـــــمنا فلم نـنزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أيدا *** وادع عـــــباد الله يـــأتوا مددا
فيهم رســـــــول الله قد تجردا *** إن سيم خســــفا وجهه تربدا
إن قريشا أخـــــلفوك الموعدا *** ونقــــضوا ميثــاقك المؤكدا
وجعلوا لى في “كداء “رصدا *** وزعموا أن لست أدعو أحدا
هم بيــــتونا بالوتـــــير هجدا *** وقتــــــــلونا ركـــعا وسجدا 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “نصرت ياعمرو بن سالم” ثم عرض عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب، كانت هذه الكلمات كافية لإعلان الحرب على قريش وحلفائها. خصوصا بعد قدوم بديل بن ورقاء في أربعين رجلاً من خزاعة كانوا بمثابة شهود العيان، حيث رووا للمسلمين تفاصيل الهجوم الليلى وأكدوا تورط قريش فيه.
فشلت الزيارة الدبلوماسية التى قام بها أبو سفيان بن حرب بعد الحادث مباشرة إلى المدينة، بهدف توثيق العهد وزيادة مدته، حيث طوت عنه ابنته أم حبيبة الفراش النبوي و أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجد عند الخلفاء الراشدين رشدا، ولعب به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرجع صفر اليدين إلى مكة.

خرج الجيش الإسلامي من المدينة باتجاه مكة بعد عصرالأربعاء الموافق 10 رمضان، وخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهم الغفارى، ولم يـُوَرِّ عن الوجهة كعادته، بل أكد أنه متجه إلى مكة، لكنه سأل ربه أن يكتم أخبار تحرك الجيش عن قريش.

أفشل علي والزبير والمقداد رضي الله عنهم – في روضة خاخ- محاولة استخباراتية لتسريب بعض المعلومات إلى قريش، كان وراءها حاطب بن أبى بلتعة اللخمي، عندما أرسل مكتوبا مع قينة لبنى المطلب تدعى سارة، كانت قد قدمت إلى المدينة طلباً للمساعدة واشتكت من كساد الغناء في مكة بعد مصائب بدر، فزودها صلى الله عليه وسلم بحمل بعير، ولما همت بالرجوع كلفها حاطب بنقل رسالة خطية لسادة مكة مقابل دراهم معدودة. وقد شهد الله في القرآن بالإيمان لحاطب بعد الحادثة كما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر بغفران الله لذنوبهم فلا يضرهم ما صنعوا.

التقى خاتم المرسلين بخاتم المهاجرين العباس بن عبد المطلب في الجحفة حيث كان خارجا بعياله إلى المدينة، كما التقى أيضا في نيق العقاب بابن عمه الشاعر أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عاتكة و صهره عبد الله بن أمية، فأعرض عنهما في البداية لكنه قبل إسلامهما شفقة على أبى سفيان وولده خاصة بعدما لوح الأخير بانتحارهما، وكذلك بعد وساطة أم سلمة وتوجيه ذكي لأبى سفيان من علي بن أبى طالب رضي الله عنه. و قد قال أبو سفيان بعد إسلامه قصيدة جيدة مطلعها :

لعمرك إني يوم أحمل راية ***لتغلب خــــيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله*** فهذا أواني حين أهدى و أهتدي…

نزل ابن العواتك من سليم مرَّ الظهران في عشرة آلاف مسلم من سليم ومزينة وجهينة وغفار وكنانة والمهاجرين والأنصار ومن أوعب معهم من القبائل الأخرى كتميم وقيس و أشجع و أسد… و أمر كل جندي أن يوقد نارا فهالت النيران زعماء مكة كأبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعى الذين خرجوا تلك الليلة يتحسسون الأخبار.

أسلم زعيم مكة صخر بن حرب بعد إجارة العباس وحبس بمضيق الوادى حتى مرت عليه الكتائب الإسلامية، ورأى بأم عينه الخيل تدخل من “كداء” و كأنها تنفذ أوامر الشاعر الصحابي حسان بن ثابت حين قال :

عدمنا خيلنا إن لم تروها *** تثير النقــــع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات *** على أكتافها الأسل الظماء
تظل جــــيادنا متمطرات *** يلطمهـــــن بالخمر النساء 

 


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى