آراء حرةالأخبار

الحسين ولد محنض: لهذه الأسباب لا يمكن الاعتماد على الرؤية الفلكية

  • Views 128

*لهذه الأسباب لا يمكن الاعتماد على الرؤية الفلكية*

أدعو الذين يجزمون بالمعطيات الفلكية في مجال إثبات رؤية الهلال إلى قراءة هذا المقال الذي أعددته استنادا إلى دراسات المختصين:

الإشكالات التي يطرحها اعتماد إثبات الهلال بالحسابات الفلكية

لا مراء في أن بعض جوانب الحسابات الفلكية أصبح اليوم دقيقا مائة في المائة، وعليه تعتمد الملاحة البحرية والجوية وغزو الفضاء، وبالتالي لا شك فيه من هذه الناحية.
لكن بخصوص رؤية الهلال تكمن المشكلة في وجود عدة طرق مختلفة لحساب الرؤية الفلكية، لَم يتم حتى الآن الحسم بشأنها نظرا لاختلاف المعطيات فيما بينها.
إذ يذكر الفلكيون -كما هو مقتضى أهم البحوث المنشورة في هذا المجال- أن هناك عدة أنواع من الشهور القمرية هي:

“1. الشهر الإهلالي (من إهلال إلي إهلال) ومقداره 29 أو 30 يوم وهو الشهر الهجري.

2. الشهر الأقتراني Synodic month وهو من اقتران إلى اقتران ومقداره 29.5305891 يوماً أي 2.9 ثانية و44 دقيقة و12ساعة و29يوم. والاقتران معناه أن الشمس والقمر يكونان في اتجاه واحد من الأرض.

3. الشهر المداري Tropical month من اعتدال إلى اعتدال (والاعتدال هو نقطة تقاطع دائرة البروج مع دائرة الاستواء السماوي) ومقداره 27.3215821 يوماً أي 4.7ثانية و43دقيقة و7ساعة و27يوم.

4. الشهر النجمي Sidereal month وهو دورة مرور القمر أمام نجم ثابت مرتين متتاليتين ومقداره 27.321662 يوماً أي 11.6ثانية و43دقيقة و7ساعة و27يوم.

5. الشهر الحضيضي Anomalistic Month وهو دورة مرور القمر من حضيض إلى حضيض في مداره حول الأرض ومقداره 27 يوم و13ساعة و18 دقيقة و37.4 ثانية.

6. الشهر التنيني (العقدي) Nodical Month وهو دورة مرور القمر من عقدة إلى عقدة (والعقدة هي نقطة تقاطع مدار الأرض حول الشمس والمسماة بدائرة البروج مع الدائرة السماوية العظمى المارة بمدار القمر حول الأرض) ومقداره 27 يوم و5ساعة و5دقائق و34.1 ثانية”.

فكيف نحسب الرؤية الفلكية للشهر القمري؟

يتم القمر دورته في مداره حول الأرض في فترة زمنية مقدارها 27 يوم و7ساعات و43 دقيقة و12 ثانية وهو ما يعرف فلكياً بالشهر النجمي للقمر.
ويختلف الشهر النجمي عن الشهر الأقتراني والذي يبدأ بولادة الهلال في شهر وينتهي بولادة الهلال في الشهر التالي، ويقوم هذا الشهر الأقتراني بفترة زمنية متوسطة مقدارها 29 يوم و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثواني، وحساب هذا الشهر الأقتراني يعتمد على حركة القمر وظهوره في أطوار مختلفة (هلال ـ تربيع أول ـ بدر ـ تربيع ثاني ـ محاق)، والشهر العربي مرتبط بالشهر القمري الأقتراني ولهذا يكون طول الشهر العربي إما 29 يوماً أو 30 يوماً بحيث إذا كان شهراً ما 29 يوماً فإن الشهر التالي سيكون في الغالب ثلاثين يوماً حيث تنضم الإثنى عشر ساعة للشهر السابق في الشهر التالي ليصبح 30 يوماً، وكل حوالي ثلاث سنوات يأتي شهر زائد مكون من ثلاثين يوماً كناتج عن فترة 44 دقيقة و3 ثوان المتبقية في طول الشهر الأقتراني.

ونتيجة لما سبق يتأخر غروب الشمس من 40 إلى 50 دقيقة عن اليوم السابق تبعاً لخطوط الطول والعرض المختلفة. وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر العربي قد يأتي غروب القمر قبل غروب الشمس فلا يرى الهلال، وقد يأتي بعد غروبها فيحتمل رؤيته، فأما الاقتران فيعني عبور مركز القمر للخط الواصل بين مركز الأرض والشمس وهي لحظة واحدة بالنسبة لمركز الأرض Geocentric ونظراً لأن الراصد ليس بمركز الأرض بل على سطحها في مكان ما فإن هذه اللحظة تختلف بالنسبة للنقاط المختلفة على سطح الأرض Topocentric وفي لحظة الاقتران ترتد أشعة الشمس من سطح القمر عمودياً إلى الشمس، بحيث لا ترى إلا أثناء حالات الكسوف فقط.
‏‎والاقتران السطحي يعتبر أن الأرض والشمس والقمر عبارة عن كرات تسير في الفضاء، ويحدث الاقتران عندما يقع مركزا القمر والشمس على استقامة واحدة كما يرى من موقع الراصد على سطح الكرة الأرضية، وبالطبع فإن لكل منطقة على سطح الأرض موعدها المختلف لحدوث الاقتران، وخير دليل على ذلك هو كسوف الشمس، فهو اقتران مرئي، ومن المعروف أن مواعيد الكسوف تختلف من منطقة لأخرى، ويبلغ أقصى فرق بين الاقتران المركزي والاقتران السطحي حوالي ساعتين في حين يبلغ أقصى فرق في الاقتران لنفس الشهور حوالي أربع ساعات تقريباً. وعدم اعتماد الفلكي الراصد للهلال لموعد الاقتران السطحي قد يجعل بعض الحالات الطبيعية تبدو وكأنها شاذة والعكس صحيح،
وأما رؤية الهلال فهو الوضع الذي يكون فيه الهلال بعد الاقتران منحرفاً عن خط الاقتران بزاوية تسمح بانعكاس أشعة الشمس من سطح القمر، وتكون كمية الضوء المنعكسة إلى سطح الأرض كافية لأن يراها سكانها على هيئة هلال وأقل زاوية تسمح بهذه الرؤية ـ في حالة توافر الظروف الجوية الأخرى، هي سبع درجات قوسية.

ويمكن في هذا الصدد تقسيم حالات الرؤية حسابياً إلى قسمين:

أولاً: حالات قاطعة في رؤية الهلال
وهي أربع: ولا يكون فيها اختلاف المطالع ذا تأثير:

1- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في جميع البلاد العربية والإسلامية وبهذا تستحيل الرؤية، ويحكم فيها بإكمال عدة الشهر ثلاثين يوما.

2- أن يغرب القمر بعد غروب الشمس في جميع البلاد العربية والإسلامية، وتكون احتمالات رؤيته قائمة تبعاً لمدة المكث في كل بلد، وفي هذه الحالة يحكم بأن يكون اليوم التالي هو فاتح الشهر الجديد.

3- أن يأتي اقتران القمر بعد غروب الشمس. وهو ما يعني أن الدورة الفلكية للشهر الجديد لم تبدأ بعد وبذلك لا يرى الهلال.
وإذا رئي الهلال قبل الاقتران في حالة تأخر الاقتران إلى قرب منتصف الليل ـ وهو حالة نادرة وشاذة ـ فتكون الرؤية لهلال آخر الشهر، ويكون قرناه إلى أسفل، ولا يعتد به في الرؤية، وبذلك يكون اليوم التالي متمماً.

4- أن تغرب الشمس كاسفة، وهو ما يعني أن حالة الاقتران تتم أثناء الغروب وبهذا لا يمكن رؤية الهلال، لأن زاوية انحراف أشعة الشمس يجعلها ترتد إلى سطح الشمس، في صورة ظل على سطح الأرض، ولا تنعكس تجاه الأرض، ولا يرى أثر للهلال.
وبذلك يكون اليوم التالي متمماً أيضاً.

ثانياً: حالات غير قاطعة في رؤية الهلال:
وفيها يكون اختلاف المطالع بين الشرق والغرب ذا تأثير كبير وتنقسم إلى حالتين رئيسيتين:

1- أن يغرب القمر بعد غروب الشمس في بعض البلاد العربية والإسلامية ويغرب في بعضها قبل غروب الشمس.

2- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في بعض البلاد العربية والإسلامية ويغرب في بعضها بعد غروب الشمس. وفي هاتين الحالتين يكون لكل بلد رؤيته الفلكية التي تحدد له دخول الشهر من عدمه.
والشرط في كل هذا مكث الهلال مدة كافية للرؤية، وتتراوح مدة المكث الموجبة ما بين ثوان قليلة وبين 35 دقيقة أو حتى 45 دقيقة والمشكلة تصاحب دائماً حالات المكث الصغيرة فحتى كم دقيقة يكون المكث محققاً للرؤية؟

هنا دائماً تكمن الخلافات وتثور.
فمن قائل ثماني دقائق إذا كان المكان مرتفعا عن مستوى سطح البحر بكثير مع استخدام تقنيات حديثة كالمناظير الفلكية مع كاميرات حديثة رقمية أو الكاميرا CCD ذات الحساسية العالية.
والبعض الآخر يقرر أنه لابد أن لا يقل مكث القمر عن 20 دقيقة كما قرر ذلك المؤتمر الإسلامي في اسطنبول عام 1978 منذ أكثر من ثلاثين عام في عهد لم يكن فيه وجود للكاميرات الرقمية أو CCD كاميرا.

كما أن كلمة الفلكيين لم تتفق حتى الْيَوْم على اعتماد معيار موحد بالنسبة لمسألتي زاوية ارتفاع القمر عن الأفق عند غروب الشمس التي اشترط المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ألا تقل عن خمس درجات، والبعد الزاوي بين الشمس والقمر الذي اشترط ألا يقل عن ثمان درجات.

ثم إن الدول الإسلامية التي تأخذ بالرؤية الفلكية متباينة التقدير بخصوص هذه الرؤية وتتلخص تبايناتها في:

1- دول تتمسك بأنه إذا كان مكث الهلال بعد غروب شمس يوم 29 في الشهر الهجري ولو بدقيقة واحدة يصبح اليوم التالي هو بداية الشهر الهجري الجديد.

2- دول تأخذ بمقررات المؤتمر الإسلامي في أسطنبول عام 1978 وهو أنه لابد أن يكون ارتفاع القمر فوق الأفق بمقدار (5) درجات ويكون بعد القمر عن الشمس (الأستطالة) فوق (7) درجات أي أن مكث القمر بعد غروب شمس يوم 29 في الشهر الهجري يجب أن لا يقل عن 20دقيقة.

3- دول تأخذ بميلاد القمر الجديد New moon وتعتبر بداية الشهر الهجري بعد لحظة الاقتران.

4- دول تشترط أن يكون عمر الهلال أكثر من 8 ساعات وارتفاع القمر فوق الأفق أكبر من درجتين قوسية والبعد الزاوي أكبر من 3 درجات قوسية.

كما لم تتفق كلمة البلدان الإسلامية بعد على اعتماد منهج علمي موحد للتقويم الهلالي فهناك اقتراحات مختلفة تتدرج من أساس مفهوم “خط التاريخ القمري” Lunar Date Line (LDL) إلى التقاويم المبنية على الاقتران والتي تطورت مع الزمن في بعض البلدان حيث كان الشهر الهلالي يبدأ (في اليوم التالي) إذا كان الهلال الجديد مساء اليوم التاسع والعشرين فوق الأفق بأكثر من 9 درجات لحظة غروب الشمس في السعودية مثلا في فترة سابقة، ثم أضيف إليه اشتراط أن يحدث الاقتران قبل منتصف الليل بالتوقيت العالمي يوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، علما أن الشهر الهجري يبدأ إذا زاد عمر الهلال وقت الفجر عن 12 ساعة، وفقاً لما قرره مجلس الإفتاء الأعلى في المملكة العربية السعودية. ثم أضيف إليه اشتراط أن يغرب القمر بعد الشمس مساء يوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، بغض النظر عن لحظة حدوث الاقتران. ومنذ 1423هـ (2003م) تقرر أن يبدأ الشهر الهلالي في اليوم التالي إذا غرب القمر بعد الشمس وكان الاقتران قد حدث (ولو بدقيقة) مساء اليوم التاسع والعشرين.

وقد أدى الأخذ بهذه القواعد إلى تعارضات واضحة مع شهادات الرؤية البصرية في المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وبناء على ما تقدم يمكن القول إن فكرة إثبات الرؤية بالحساب الفلكي قطعية ومأمونة من الغلط في هذا العصر من حيث المبدأ، لكنها ما زالت تحتاج إلى الحسم والاتفاق بشأن ضوابط وقواعد موحدة لهذه الرؤية، وفِي انتظار ذلك لا مناص من الاستعانة بالرؤية البصرية التي هي الأصل.

أما نفي الرؤية من خلال الحسابات الفلكية فلا يمترى بأنه إذا اعتمد الحساب الصحيح على أساس الاقتران السطحي وليس الاقتران المركزي فإنه في أربع حالات من ستة يمكن التأكيد بغلط الرؤية البصرية، وفِي حالتين لا يمكن الجزم بشيء كما تقدم. والفلكيون يملكون الوسائل الحسابية الكافية لقول ما إذا كان نفيهم لإمكانية الرؤية البصرية قطعيا أو ظنيا، ولا حرج في تكذيب الشهود في حال ما إذا كانت دلائلهم في ذلك جازمة.

الحسين بن محنض


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق