الأخبارثقافة

الفتى كما وصفه شعراء الحسانية / محمد الامين ولد لكويري

ربما يختلف مفهوم الفتوة من مجتمع لآخر باختلاف ثقافات المجتمعات، كما قد يختلف هذا المفهوم في الثقافة الموريتانية من منطقة لأخرى، إلا أنه يمكن أن نحكم أن أغلب هذه المفاهيم ــ بحسب ثقافة البيظان ــ يصب في بوتقة الكرم

بجميع عناصره، مثل الجود والشجاعة والنجدة والإيثار وجودة الخط والقدرة على قرض الشعر… إلى غير ذلك من الخلال التي يتصف بها الأكارم، وهي الأوصاف التي يثني بها المادح على ممدوحه، كما يفخر بها الشخص ويعتز، وتتنوع حسب طبيعة المجتمع، ورؤيته لمفهوم الأخلاق الحميدة والقيم النبيلة، وتمثل كل خلة من الخلال الحميدة عنصرا من عناصر الفتوة، فيما يحق لمن اجتمعت فيه أن يوصف بالفتى.


 

وقد احتفى الموريتانيون قديما بالفتى وأنزلوه منزلة فوق السماكين، كما تسابق أبناؤهم واجتهدوا للحصول على هذا اللقب (الفتى) والذي لا ينال إلا بشق الأنفس.
ونحن في هذه الورقات سوف يتمحور حديثنا حول مفهوم الفتوة عند المجتمات الناطقة باللهجة الحسانية، وذلك من خلال اقتراء نصوص من شعرها (لغن) شعر لغة التخاطب اليومية، هذا الشعر الذي يمثل المرآة الصادقة التي تعكس الصورة الحقيقية لأمة البيظان.

 


لا يبتعد مفهوم الفتوة في الثقافة الحسانية عنه في الثقافة الأم (العربية) فكلمة الفتى وإن كانت تعني في اللغة العربية غالبا الشاب حديث السن فإنها قد تطلق أيضا على السيد الكريم، ومن ذلك قول القتيبي: ليس الفتى بمعنى الشاب والحدث وإنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال، واستدل على ذلك بقول الشاعر:
إن الفتى حمال كل ملمة ليس الفتى بمنعم الشبان
ويرى ابن بري ــ كذلك ــ أن الفتى تعني الكريـم، ودعم رأيه بقول ليلى الأخيلية:
فإن تكن القتلى بواء فإنكم = فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

 

ولم يدع شعراء الحسانية خلقا من الأخلاق الحميدة التي يتصف بها الكرام إلا وصفوا بها الفتى، ذلك اللقب الذي لا يناله إلا من سهر في سبيله الليالي وبذل الطارف والتليد.

 


فهذا الأديب المرحوم احمدو ولد محمدن ولد حبيب الرحمن يصور لنا الفتى معددا ميزاته التي يجب أن تتوفر فيه، ومن أهمها أن يكون وفيا، يحسن معاملة الآخرين، متواضعا، حليما، أديبا، ذائع الصيت، حلو المجالسة، عارفا بأحكام دينه، سخيا، حسن الخط، “بسم موكف دون اجدود تتعلق بيهم معرفت” أي يعرف دون أن ينسب إلى أجداده الأباعد، وهو من يعرف في الثقافة العربية بصاحب النسب القصير، والمراد به أن يكون الشخص معروفا بنفسه، دون أن تتوقف معرفته على قبيلة أوفخذ، وهو ــ أي النسب القصيرــ من سمات الأكارم، يقول الشاعر مادحا:
أنتم بنو النسب القصير وطولكم = باد على الكبراء والأشراف

 

ويقول الآخر:
أحب من النسوان كل طويلة = لها نسب في الصالحين قصير

 

ويختم ولد حبيب الرحمن طلعـته حول الخلال التي يجب أن تتوفـر في الفـتى بكاف يؤكد فيه أن الفتى هو رجل الدنيا والآخرة، يقول هذا الشاعر:
حد الفــتــو حد إعــــــــــــود = حاصل راص ؤلفظ مكورد
ؤلاه شــينَ في الل معهـود = لهـــل الدني معاملـــــت
ؤلا يتكبر زاد افموجــــــــــود = عن حد ؤزين صنعـــــــت
وديــب ؤنزيه ؤمشـــــيــــود = بسم واحـــل لا والفــــت
يعرف حكم وامن اهل الجود= عراب ؤزين كتبــــــــــــت
يحظر لا لحك ارجال اكعـــود = في الل لاه فيه إسنــت
بسم موكف دون اجــــــدود = تتعلق بيهم معرفـــــــت
ؤلاه في الدني حت جــــاد = كاردت عن هــم آخــرت
ؤلاهْ امضيع دنيــــــــــت زاد = حـــد الفـــتو ذ نبــــت

 

وهذا شاعر حساني آخر في “اطلع” متداولة يؤكد أن الفتى ابن مجتمعه،وبالتالي فهو يرى أن الفتى أمثل قومه، ففي هذا الزمن الذي سادت فيه لغة المادة، وأصبحت قيمة الشخص تقـاس بمستوى غناه، فإن الفتى هو من من يرخــص في عينه هذا المال، ويبذل للغـير غاليه ونفيسه.

 


فهو زمن عسر فيه ــ حسب هذا الشاعرــ توفر الشرائط الحقيقية للفتوة، والتي منها الورع في الدين، وحفظ القرآن الكريم، ومختصر خليل، وطرة المختار بن بونا على ألفية ابن مالك في النحو، ورسالة محمد بن أبي زيد القيرواني في الفقه… وغيرها من مقررات المحظرة التي ظل ــ وإلى عهد قريب ــ لايمكن لغير الملم بها أن يوصف بالفتى، مؤكدا أن ما يقوم به البعض من جمع المال، والاعتناء بالمظهر ونحو ذلك، ليس من الفتوة في شيئ فيقول:
الفتـــو مــاه بالمـــــــــــــــال = والزيـن ؤلاه بالتصكـــــــــال
والملاح ؤكلمَ تنكــــــــــــــال = الفتـــــــــو طبــيـعـــــــــــي
يغيــر ال من تنـــــــــــــــــال = الفــتــــــو معط مــــــــــــي
والفين ؤنــــــــــــــــاكَ وززال = ؤتوس امعَ لبسَ علــــــــــي
ؤتنال امل من جهـــــــــــات = اخرات ؤلا معمول اتــــــــلات
بيهَ يغيــر امن امهــــــــــات = الفتـــــو لَـــصيــلــــــــــــــي
زين الدين ؤحفظ الســـرات = واخليل ؤطرت لَلْفــــــــــــــي
والرسالَ والمتمـــــــــــــات = ابن بـــــري واللامـــــــــــــي
واسلامتْ لعراض امن العار = في الدني لخاظتْ حــــــــي
واسلامتْهَ ساعَ منْ نـــــــار = مولانَ ذيكي هـــــــــــــــــي

 

ولا يبتعد الأديب سيدي ولد الداهي في وصف الفتى عن ما جاء في الطلعتين السابقتين حين نراه في طلعة له يشكو فيها زمانه الذي يرى أن الفتوة فيه أصبحت في متناول الجميع، وكثر أدعياؤها، وهي طلعة اعتمد فيها أسلوبا تهكميا طريفا، فهو يرى أنه لم يعد يشترط في الفتى تعلم أحكام دينه، كما لم يعد مطالبا بالسخاء ولا بإكرام الضيف، ولا برعاية حق الجار، ولا السعي في إصلاح ذات البين، فما عليه إلا أن يكون خلوفا للوعد وللموعد، مهتما بالمظاهر الخداعة كلبس الثياب الفاخرة، وأن يكون يحسن التحايل على حقوق الآخرين، وبضدها تتميز الأشياء، يقول سيدي:
كالحمد ال ذا الدهــر اليـوم = ماخل حد ابْــش مليـــــــوم
ماه طالب منْ حد إكــــــوم = امبادر فرض فرضْ العيــــــن
ؤلا حد أمينْ ؤلا معلـــــوم = ؤلا باطلْ برْ الْوالديــــــــــــــن
ألا كاف حد إلى عــــــــاد = يلبس لباسْ الباس زيـــــــــن
ؤيخلفْ للوعد ؤللميعــــاد = واخبار فوكيلْ اهل الديــــــــن

 

كما يتميز الفتى بكثرة حضور مجالس الغناء والتردد عليها، وهو ما يتطلب من الشخص أن يكون عارفا بمقامات “أزوان” ماهرا في ارتجال “الكيفان” وهما من أهم شروط الفتوة خاصة في فئة الشباب.

 

كما ينبغي أن يكون الفتى ملما بالنحو، يحسن الإلقاء على الآلات الموسيقية المتوفرة بجميع أنواعها، وهو ما نجد عند الأديب المرحوم الولي ولد الشيخ يب في طلعة له من عدة “اطلع” في غرض الفخر حيث يقول:
ما كط اخطان شور زيـــــــــــــن = نسمع ردات كامليــــــن
فيه إغن لمغنيـــــيــــــــــــــــن = وإيغن فيه امعـــــــــــاي
مكيول إعود اعل آرديـــــــــــن = وامنحيت نحــــــــــــــاي
ؤنعرف لبحور الغامضيـــــــــــن = تلميــــــــــــــد ول ازواي
ؤنعرب لعراب الظاهريــــــــــن = ؤنعرف يم الحكـــــــــــاي
في التدنيت ؤفآرديـــــــــــــن = والكصبَ والــــــــــــزوزاي

 

ويعد الإلمام بفن الشعر بصنفيه الفصيح والحساني والقدرة على قرضه من أهم ميزات الفتى، ولن نتحدث هنا عن الجانب الفصيح منه، بل سنقتصر على جانبه الحساني، الأمر الذي يتماشى وطبيعة البحث الذي بين أيدينا.

 

فقد ظل قرض الشعر الحساني والتمكن في مجاله شأن النخبة فسعى أبناء البيظان جاهدين إلى تعلمه وإتقانه وإنشاده والاستشهاد به، فهو أهم عناصر الفتوة عندهم، في حال ما إذا كان ممارسه يتقنه جيدا، وإلا فإن الأولى أن يتركه ويحرص على الإكثار من سائر سمات الفتوة حتى يتمكن من تعويض ما فاته من “لغن” وهو ما يصرح به احمدو ولد الحسن ولد لمرابط ولدمتالي في طلعته التالية:
لغن حد ابلا قسمَ فيــــــــــــــه = ابلا باس ؤهاذ وجيـــــــــه
لغن كاع اصل لمغليـــــــــــــــه = تكميل الفتو للنـــــــــــــاس
وامنادم ما راه إخليــــــــــــــــه = باكيل ياسر من لَجنــــــاس
يستفتَ بيـــهَ واتعليـــــــــــــه = ؤيسلك ل عرض منْ لدناس

 

وتتجلى المنزلة العالية للشعر الحساني في حياة الفتى في كثرة افتخارهم واعتزازهم بالتمكن في مجاله، فقل أن يسلم ديوان أي واحد من شعراء الحسانية من نصوص يعتز فيها بتفوقه في قرض “لغن” وإتقانه نسج “التيفلواتن” وهنا نسوق كاف للأديب المرحوم محمد ولد ابن ولد احميدن، يحمله رسالة إلى أهل الموزون، يحذر فيها هوؤلاء من أن تسول لهم أنفسهم إمكان مشاركته في هذا الفن، معلنا أنه هو الشاعر الوحيد الذي أوتي ملكوت هذا الفن وبدون منازع فيقول:
لحك لهــــــــــل الموزون ان = جل اغنان عاد امعــــــان
ملكوت المــــــــــــــوزون ان = ما مشترك حد امعـــــــان

 

لكن ابن بجدة هذا الفن وجذيله المحكك لارباس ولد اللي لم يكن ليدع زهو زميله محمد ولد ابن يمر هكذا، فقد عمل على الكاف هذه الطلعة:
كافك كلت يوم الجمـــــــــــع = واطلعْ طلعَ فوك السمــــــــع
ؤلا لاه تبكال لمـــــــــــــــــع = ؤلا لاه تبك لمعــــــــــــــــــان
وآن طامع شورك طمــــــــع = واخلاك شورك طمعــــــــــــان
ؤلحك لهل الموزون ان …إلخ

 

ونختم بطلعة للمرحوم احمدو بنب لكويري ولد عبد الله ولد سيدي يتحدى فيها جماعة من أساطين هذا الفن في صورة من أروع صور التحدي فيقول:
انكد انكاطع محمـــــــــــــــد = وانكد انكاطع زاد امـــــــد
وانكد انكاطع زاد احمـــــــــد = وانكد انكاطع عابديـــــــن
انكد انكاطعهم في ابلـــــــد = ؤواحد واحد واثنين اثنيـن
وانكد الهم زاد انعـــــــــــاب = لُوجاو اعليهم محمديـــــن
ؤلُو جاو امدين ؤعــــــــــابـ = ــدينين ؤلُو جاو احمْديـــن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى