
الناشط حسن الابات يكتب:
بعد أن بدا واضحا أن الجنرال عاصيمي غويتا يسير في اتجاه خلق أزمة دبلوماسية مع موريتانيا قد تنتهي بسحب السفير وقطع العلاقات، نجح الرئيس الموريتاني في نزع فتيل التوتر وإجبار باماكو على التراجع وإعادة ترتيب أوراقها..
ولكن.. لنعد قليلا إلى الوراء..
البداية كانت على شكل بيان شديد اللهجة صدر عن قيادة القوات المسلحة المالية، وليس عن وزارة الخارجية، وهو ما يعكس الطابع الأمني والسياسي الحساس للملف.
البيان اتهم بلادنا بشكل غير مباشر بالسماح للجماعات المسلحة باستخدام التراب الموريتاني كقاعدة خلفية. بل ذهب النص إلى حد الزعم بأن جنديين ماليين اختطفتهما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (وهو تنظيم ارهابي ينشط داخل الأراضي المالية) تم احتجازهما في مخيم للاجئين داخل الأراضي الموريتانية، قبل أن يتمكنا من الفرار !
الرد الموريتاني جاء سريعا وحازما عبر بيان رسمي نفى هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي نشط، كان من أبرز محطاته لقاء جمع القائم بالأعمال في سفارتنا بباماكو مع وزير الخارجية المالي.
ولكن التحرك لم يكن دبلوماسيا فقط. ففي الكواليس باشرت الأجهزة الأمنية الموريتانية تحقيقات ميدانية دقيقة، خلصت إلى أن الجنديين الماليين تم اختطافهما فعلا من طرف الجماعة المسلحة المذكورة، لكن احتجازهما لم يتم داخل الأراضي الموريتانية، بل في غابة “واغادو”، على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود مع موريتانيا.
وهكذا قدمت نواكشوط إلى باماكو تقريرا استخباراتيا مفصلا يرصد بدقة تاريخ الاختطاف ومكان الاحتجاز وظروف الإفراج. بل إن التقرير نفى حتى رواية “الهروب”، مؤكدا أن إطلاق سراح الجنديين جاء بعد دفع فدية من طرف الأهالي، مع تحديد المبلغ بشكل دقيق.
ولتعزيز مصداقية موقفها، أعلنت موريتانيا عن استعدادها لاستقبال لجنة تحقيق ميدانية، بل واقترحت أن تضم اللجنة ممثلين عن منظمة تحالف دول الساحل أو أي منظمة دولية أخرى تقترحها بماكو، في خطوة اعتبرها بعض المراقبين بالغة الذكاء، لأنها تنزع الطابع الثنائي عن الأزمة وتمنع أي توظيف سياسي أو إقليمي لها.
هذه المقاربة الهادئة، المدعومة بمعطيات أمنية دقيقة، وضعت باماكو أمام أمر واقع يصعب الطعن فيه، خصوصا أن بلادنا لا ترغب نهائيا في الوقوع في فخ المواجهة المسلحة مع الجار الشرقي المدعوم من طرف ميليشيات فاغنر، ما دام من الممكن التوصل إلى حل سلمي.
مصدر ديبلوماسي موريتاني صرح لإذاعة فرنسا الدولية إن “المجلس العسكري في مالي يسعى إلى خلق صراع مفتوح مع موريتانيا، بهدف تعبئة الرأي العام وصرف الانتباه عن إخفاقاته في مواجهة الجماعات المسلحة”.
وهكذا جاء الرد سريعا : السلطات المالية أبلغت نواكشوط اكتفاءها بالتوضيحات المقدمة، وأبدت رغبتها في طي الصفحة وعودة العلاقات إلى طبيعتها.
نواكشوط اختارت بدورها تجنب التصعيد، ولم تطالب باعتذار علني أو بسحب رسمي للاتهامات، في موقف يعكس حرصا على استقرار العلاقات الثنائية، وربما إدراكا لحساسية الظرف الداخلي في مالي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوازنات الجيوسياسية، في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد..



