
جدو ولد خطري يكتب : ” أَقيار أسحاب “
كان الوقت خريفياً، والشمس “صاگعة” في كبد السماء، ترمي أشعتها الذهبية على أرض تنتشي بالرطوبة. ضغط الهواء منخفض، والوقت صامت كأن الكون يحبس أنفاسه قبل القيلولة.
“الدار” – أو “المنزل” بلغة البدو – كان جديداً. هناك، كانت إحداهن “تَنكُس الربيع” ، تجز الگصبة بأنواعها: إينيتي، إينسمر، تمگلصت، أمسرار، والتيلوم. تلتقط بقايا الحجارة المتناثرة والروث – أشْظِي أگدور، وزعرون، وبقايا الحيوان – لتحضر أرضية نصف الخيمة الشرقي، “بنعت أهل هوك” ، وتمهد المكان لنشر الحصيرة من “أرْعْيْعِيد” ، تستقبل من سيجلس.
الخيمة كبيرة، عشرون ذراعاً في عشرين من “أجيف” الأبيض، تستند إلى ركيزتين شامختين متصلتين بالقمة – “ألْعنگره” – عن طريق “أحمَّار” ، وترسخ أوتادها في الأرض – “أوتاد لخوالف” من “تيشط” الصلب. أطراف الخيمة الأربعة تنتهي بما يسمى “خرب” ، كل منها مرفوع بعصا طويلة متفرعة الرأس تعرف “باب” – أي “مهموزين بيبان” . والطرفان الگبليان – “الخالفتين” – مميزان بقطعتين مطرزتين متدليتين اسمهما “أطْرّايِكْ” .
أما ما بين طرفي الخيمة من الجهتين – الشرقية والساحلية – فيسميان “ظهورت” الخيمة، كل منهما مربوط في جذع صلب طويل بأفرعه يعرف “بأتِيگاگ” . الشرقي منهما معلقة عليه “تاديت” ، وحبال تعرف بـ “إززاتن” . أما الآخر الساحلي، فتتكأ عليه “الراحلة” مغطاة بغطاء يسمى “أمسلاق” خوفاً عليها من الشمس، وبجانبه برميلان متوسطان للماء يعرفان بـ “أتْنُو” ، جمع “تَنْوَ ة” .
في داخل الخيمة، من الجانب الشمالي “الساحل” ، يمتد سرير طويل يسمى “خبطة” من “أجريد” ، محمول على ستة أعمدة من خشب “چّيْوَ” ، ترتكز على ما يسمى “لَگْران” . تنتهي الخبطة عند “أرحال” – تلك الطاولة الخشبية البديعية، التي تتكون من ( حبل، “لحوية” أو “أجف” ، وفوقه “أحرج” مزخرف له نهايتان، توضع عليه “أصرمي” ذات الأهداب و”تزياتن” من الجلد) ، يستخدم للحمل والتخزين في الخيمة، وله استخدامات أخرى. على طرفيه “أتليين” تعلق قربة الماء، وعلى طرفيه الگبليتين تعلق “أچفافة” ، ويتدلى منه حامل “أگرط” والكوز. تحت الرحال، قطعة صغيرة توضع عليها “الشكوة” ، وفوق الرحال ما يعرف “بإينال” .
غير بعيد عن الخيمة، شجرتا “تكيفيت” تتربعان على الأرض. إحداهما تحضن “ربگ العجول” ، والأخرى يلعب تحت ظلها جديان، فيهما واحد لونه أشهب أكبر منهما – “أقيار” .
الخيمة شُيدت على موقع مرتفع – “أرْثّْيمه” – يطل على الدنيا. من هناك، ترى “البطنان” – سفح الهضبة – يمتد كبساط أخضر، وفي البعيد “تامورت” ، بحيرة مائية ترقص على أطرافها أشعة الشمس.
جو خريفي جميل، لا مثيل له.
وفجأة، تغيرت ملامح السماء. “بَنْو” – هكذا نسمي السحب الكثيفة التي تحمل الرياح في أحشائها. يساق أمامها نسمات باردة تحمل رائحة المطر – “إِيگِليو” .
هب الأهل مسرعين. رفعوا الخيمة من أطرافها، وطووها على الركيزتين المسندتين على “إينال” ، بحركات سريعة لا تحتمل التأخير. صارت الخيمة كغرفة صغيرة فوق “الرحال” ، تحمي من غضب السماء. جلسنا تحتها نتوارى، نسمع الريح تعصف من حولنا، تلاعب أطراف “ألفلجان” .
ثم بدأت الزخات الأولى تتساقط. قطرات ثقيلة تضرب الرمال، تارسة إياها برائحة لا تشبهها رائحة. كانت السماء تفتح أبوابها، والأرض تستقبل.
في تلك اللحظة، انتبهنا إلى حركة خافتة قرب مدخل الخيمة. كان أقيار – الجدي الأشهب – يقترب خطوة بخطوة، ينظر إلينا بعينين خائفتين، ثم يحاول إدخال رأسه.
دفعته برفق ليخرج، فتراجع خطوة ثم عاد. مددت يدي لأبعده، فاندفع نحوي كأنه يقول: لا يهمني إلا مكان دافئ. ضحك من كان بجانبي ودفعه برجله – “شلودو” – وقال: “دعه، إنه أَقيار أسحاب .”
ضربته بعصا صغيرة، فتنحى قليلاً، ثم عاد يحاول من زاوية أخرى. كان إصراره عجيباً، كأن الخيمة هي كل شيء في الدنيا، ولا شيء يعدلها. في المطر، لا يعرف الجدي سوى مكان واحد: حيث الدفء والأمان.
ثم توقف المطر فجأة كما بدأ. انشقت السحب عن زرقة صافية، والهواء أصبح نقياً كأنه يولد لتوه – “أماروگ” .
خرجنا من تحت المكان، فإذا الدنيا قد تغيرت. الرمال الناعمة صارت رطبة، تعلوها حشرات حمراء صغيرة تدب في نشوة ما بعد المطر. هناك يسمونها “بگرة السحاب” . كانت تمشي ببطء، تاركة خطوطاً دقيقة على سطح الأرض كأنها تكتب رسائل عابرة. كل شيء حولنا يقطر ندىً وبهاءً.
نظرت نحو شجرة تكيفيت لأرى الأقيار ، فإذا به قد اختفى. بحثت هنا وهناك، فلم أجد له أثراً. هرب إلى حيث لا ندري، كأن الأرض انشقت فابتلعته.
سألت عنه من كان بجانبي، فقال: ذاك ” أقيار اسحاب” . عندما يكون بحاجته، يصر على ما يريد. وعندما تتغير الظروف، يذهب.”،عندها، فهمت معنى المقولة.
تذكرت ذلك ( اقيار الأشهب ) وكيف أصرّ على الدخول حتى ظننا أنه لن يفارقنا أبداً. ثم تذكرت كيف اختفى بلحظة حين احتجنا إليه. وقلت في نفسي: في الحياة، بعض من يلجؤون إليك هم مثل” أقيار أسحاب “، لا يعرفونك، يعرفون فقط الظل الذي تمنحه إياهم. فإذا انقشعت الغيوم، ذهبوا معها. تبحث عنهم بعد ذلك فلا تجد سوى أثر على رمل سرعان ما تجففه شمس النسيان.
اطيب المنى و عيد فطر مبارك



