ثقافة

لكي نفهم الأدب (50) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

كانت وقعة البِشْر – على بشاعتها- بسبب بيت شعر في مجلس خليفة! فقد دخل الجحاف السلمي على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل ينشد:
ألا سائل الجحاف هل هـو ثائر ** بقتلى أصيبت من سليم وعامـر
فاربدّ وجه الجحاف وقال: يا ابن النصرانية.. والله ما ظننتك تجترئ علي بمثل هذا ولو كنت أسيرا عندك! وأنشد:
بلى سوف أبكــيهم بكل مهند ** وأبكي عميرا بالرماح الخواطر
فحُمَّ الأخطل فَرَقًا لعلمه أن الأمر جد، فقال عبد الملك: أنا جارك منه، قال: فمن يجيرني منه في النوم؟!
ثم إن الجحاف زوَّر كتابا من عبد الملك بولايته على جباية تغلب ومن في ناحيتها، وسار بقومه مسافة ثم كشف لهم أمره فسار معه ما بين 300 – 1000 فأوقعوا بتغلب وهم على ماء لهم يسمى البِشْر فأسرف في قتل النفوس وبَقْرِ البطون ثم فرق قومَه وفر إلى الروم ومكث هناك سبع سنين مات عبد الملك خلالها وقام الوليد فاستأمنته القيسية له فأمنه وألزمه ديات قتلاه فعاد.
والإشارة في شعر الأخطل وبيت الجحاف إلى أن عمير بن الحباب السلمي كان طرفا في نزاع قيس وكلب بالشام بسبب الزبيرية والمروانية، فلقيته أثناء ذلك خيل لتغلب (وهم مروانيون) فقتلته، فلما اجتمعت الكلمة لعبد الملك حدث ما تقدم بين الجحاف (وهو ابن عمه) وبين الأخطل.
كان وقع المذبحة على تغلب عظيما، وكان معظمهم نصارى على “المذهب” اليعقوبي، يقميون في مجرى الفرات مما يلي الموصل وربما سكنوا مجرى دجلة أيضا. أبرموا مع عمر – رضي الله عنه- صلحا أقرهم بمقتضاه على ملتهم التي كانوا عليها، وكانوا عربا أقحاحا لهم أواصر وتاريخ مشترك مع غيرهم من العرب، فاختلفوا في أمور كثيرة عن سائر أهل الذمة.
وفي وقعة البشر يقول الأخطل:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ** إلى الله منها المشتكى والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها ** يكن مستماز عن قريش ومزحل
وقد وجد جرير فيما جرى فرصة للشماتة والتشفي فرد على الأخطل بالقول:
فإنك والجحاف حين تحثه ** أردت بذاك المكث والورد أعجل
سما لكمُ ليل كأن نجومه ** قناديل فيهن الذبال المفتل
وما زالت القتلى تمج دماءها ** مع المد حتى ماء دجلة أشكل
إلى أن يقول:
فإلا تعلق من قريش بذمة ** فليس على أسياف قيس معول
بكى دَوْبَلٌ لا يُرْقِئ الله دمعه ** ألا إنما يبكي من الذل دوبل!
والدوبل صغير الخنازير، ووسامته ليست مشهورة، ويروى أن الأخطل قال: والله ما سمتني أمي دوبلا إلا يوما واحدا؛ فمن أين علم ابن المراغة؟!!


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى