
كرامة المواطن بين غياب المؤسسات وواقع النظام الصحي / عبدالله سيديا
رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية:
فخامة رئيس الجمهورية،
لعلها المرة الثانية التي أسأل فيها نفسي بمرارة: كيف يُعقل أن نُرهق أنفسنا كشباب خدمةً لهذا الوطن، ثم نجد أنفسنا نقف عاجزين أمام مؤسساته حين يتعلق الأمر بإنقاذ حياة من نحب؟
نحن جيل يُطلب منه أن يبني ويحمي سيادة الدولة في عصر التحول الرقمي، بينما لا يجد المواطن أحياناً مؤسسة تحمي حقه في الصحة والعلاج، حقه في الحياة.
فخامة الرئيس، يزخر بلدنا بالكفاءات والعقول الشابة القادرة على صناعة الفارق، ليس فقط في حماية الأنظمة وتأمينها، بل أيضاً في تطوير حلول متقدمة في الطب وتطوير الروبوتات والذكاء الاصنطاعي، وتدريب الكوادر الوطنية عبر أنظمة ذكاء اصطناعي موريتانية وآمنة، بما يخدم جودة حياة المواطن الموريتاني ويعزز سيادة الدولة في عصر التحول الرقمي. ولست سوى واحد من هؤلاء الشباب.
منذ خمس سنوات، عندما بادرنا بتمثيل موريتانيا في المحافل التقنية العالمية، من طوكيو وغيرها، وعندما سهرنا على حماية مصالح المواطنين وأموالهم بالتنسيق مع وزارة الرقمنة، وعملنا على تقييم وتأمين أنظمة حساسة، وقبل ذلك اكتشفنا وأغلقنا ثغرات أمنية حرجة في تطبيق «هويتي» حمايةً لمعلومات المواطنين ومسار تحولنا الرقمي، فعلنا ذلك دون مقابل، بدافع الواجب والانتماء الخالص لهذا الوطن.
لم ننتظر جزاءً، رغم أن مؤسسات التحول الرقمي ووزارة الشباب لم توفر حتى الآن الغطاء الرسمي أو الاحتضان المؤسسي الكافي لهذا الجيل الذي يسهم في حماية الأمن الرقمي للبلد. تقبلنا ذلك بصمت، واخترنا أن نشق طريقنا بجهدنا الخاص، ونبني خبراتنا وعلاقاتنا دون طلب للمنّة.
لكن أن يمتد هذا القصور المؤسسي ليطال الأرواح، وأن يُترك أبناء هذا الوطن يواجهون مصيرهم أمام إجراءات صحية ظالمة لا تواكب الحالات الطارئة، فهذا خلل عميق يستوجب تدخلكم المباشر.
أخي الأصغر، البالغ من العمر 23 عاماً، يرقد الآن في تونس، يصارع الوقت والموت معاً، بانتظار تدخل جراحي دقيق ومعقد في الشريان الأبهر، لا يملك ترف الانتظار.
وقبل ذلك بأسابيع، ورغم كافة الإفادات الرسمية من كبار الأطباء في المركز الوطني لأمراض القلب، والتي تؤكد صراحة أن الإجراء غير متوفر محلياً وأن الرفع الطبي إلى الخارج ضرورة حتمية ومسألة حياة أو موت، لم نجد أمامنا سوى جدار من الروتين الإداري وبيروقراطية بطيئة عاجزة عن مواكبة الحالات المستعجلة.
فخامة الرئيس، أنا لا أكتب هذه الرسالة للمطالبة بإقالة مسؤول أو لتوجيه اتهام شخصي، فالأزمة أعمق من تغيير الأشخاص. مشكلتنا تكمن في خلل إداري وبيروقراطية ثقيلة داخل بعض مفاصل الدولة، تعرقل “الإنصاف” ولا تواكب حجم الطوارئ الإنسانية.
ولهذا أقولها بكل وضوح: حين يتعلق الأمر بحياة أخي وأي مواطن موريتاني، لن أقف مكتوف الأيدي. سأطرق كل باب ممكن وغير ممكن، وسأبذل كل ما في وسعي حتى الأنفاس الأخيرة.
لكنني، في المقابل، لا أبحث عن تسوية «استثنائية» لحالة أخي بعد نشر هذه الرسالة. مطلبي ليس حلاً فردياً، وأرفض أن تُعالج القضايا المصيرية بحلول مؤقتة تتجاوز أصل المشكلة. كرامتنا، ولله الحمد، محفوظة، وسنبذل ما نستطيع من جهد حتى يحصل أخي على حقه في العلاج والحياة.
أنا أكتب اليوم لأن هذه التجربة وضعتني أمام تساؤل مؤلم: إذا كنا نحن، بما نمتلكه من كفاءة ومسيرة في خدمة البلد وشبكة علاقات مهنية، نصطدم بهذا الجدار الإداري ونحن نحاول إنقاذ حياة إنسان، فماذا يفعل المواطن الموريتاني البسيط؟
ماذا تفعل الأم الفقيرة القادمة من الداخل عندما تُطالب بتوفير ملايين الأوقية لإنقاذ ابنها؟ وكيف يواجه المواطن الأضعف أروقة المستشفيات عندما يغيب عنه السند وتخذله الإجراءات؟
إن الوصول إلى العلاج المناسب والرفع الطبي للحالات الحرجة، ليسا امتيازاً يعتمد على المعارف والوساطات، بل حق أساسي من حقوق المواطنة. ودولة المؤسسات التي نطمح إليها هي تلك التي تضمن هذا الحق، خصوصاً لمواطنيها الأكثر ضعفاً، في لحظات العجز والخطر.
هذه الرسالة، يا فخامة الرئيس، ليست نداء استغاثة شخصي، بل صرخة حق يرفعها كل مواطن موريتاني أنهكته البيروقراطية وخذلته الإجراءات.
كرامتنا لا تُساوم، لكن ثقتنا في قدرتكم على تصحيح هذا المسار الإداري والصحي هي ما دفعني إلى وضع هذه الحقيقة، مجردةً، بين أيديكم.
عبدالله سيديا
مؤسس وقائد فريق ديلول


