آراء وتحليلات

اتفاقية مكة: نحو قطب عربي إسلامي في عالم متعدد الأقطاب

منذ ثلاثة أشهر، وتحديدا  في يوم 7 مايو 2026، نشرتُ مقالا جديدا عن الحلف العربي الإسلامي الذي كنت ـ وما زلتُ ـ أحلم به، وكان المقال تحت عنوان: “شكرا للمملكة العربية السعودية”، وقد جاء في مقدمته: “منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي، بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير المحصَّنة استراتيجيا.

وقد تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين له في إنجاح مبادرة من هذا النوع.” انتهى الاستشهاد.

واليوم، ترسخت قناعتي أكثر بالدور الذي يمكن أن تلعبه المملكة في تأسيس هذا الحلف، وذلك بعد أن تابعتُ توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” من طرف ثلاثة من قادة خمس دول توقعتُ قبل عام أن تشكل نواة صلبة للحلف العربي الإسلامي الذي نحلم به، ولعلَّ الجميل ـ والمبشر أيضا ـ في توقيع هذا الاتفاق، وربما يكون في ذلك توجيه رسائل مقصودة، أن التوقيع كان في يوم جمعة مبارك، وفي مكة المكرمة، وبعد أن أدى القادة الثلاثة صلاة الجمعة في المسجد الحرام.

يحاول البعض أن يقلل من أهمية هذا الاتفاق، ويحاول البعض الآخر أن ينحرف ببوصلته إلى وجهة أخرى لا أظنها وجهته التي يقصدها القادة الموقعون، وكل ذلك سعيا للتشويش على اتفاق يجد مباركة واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، والتي تتمنى له أن يتوسع إلى أن يصبح حلفا وقطبا عربيا إسلاميا، يحمي مصالح العرب والمسلمين في  ظل نظام عالمي يمر بلحظة مخاض قلقة، ستنقله من نظام عالمي بقطب واحد، إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، ولا ينبغي في ظل هذا النظام المتعدد الأقطاب أن يبقى العرب والمسلمون مجرد ساحة للصراعات الدولية، بلا قطب اقتصادي وعسكري خاص بهم، يؤثرون من خلاله على مجريات الأحداث في العالم بما يحقق مصالحهم. .

وردا على من يريد التشويش على هذا الاتفاق المبارك، فإليكم هذه الملاحظات السريعة.

الملاحظة الأولى: اتفاق مكة ليس ضد إيران

إن هذا الاتفاق ليس موجها ضد إيران، فباكستان وتركيا علاقاتهما طيبة مع إيران، والمملكة العربية السعودية أثبتت في ظل حرب بالغة التعقيد، ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، أنها لن تنخرط في حرب ضد إيران، سيكون المستفيد الأول منها هو العدو الصهيوني.

الملاحظة الثانية: إيران مطالبة ببعث رسائل طمأنة لدول المنطقة

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ببعث رسائل طمأنة للمملكة العربية السعودية ولدول المنطقة، وأذكر أني في أول مقال أكتبه عن الحلف العربي الإسلامي المنتظر، تحدثت عن تطمينات على الدول الخمس أن تبعث بها  لبناء الثقة فيما بينها، وكان المطلوب من إيران، وبنص ما جاء في المقال المذكور:  “أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا  بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها”.

إن المطلوب من إيران اليوم ـ وهو ما كان مطلوب منها في الأمس ـ أن تبعث برسائل طمأنة فصيحة وصريحة لدول المنطقة، وخاصة للمملكة العربية السعودية التي تسعى لبناء حلف من دول المنطقة قادر على الدفاع عن المنطقة دون الحاجة للاستعانة بالأجنبي، وهذا تجسيد عملي لشعار طالما رفعته إيران، والتي كانت تدعو دائما إلى عدم السماح بالتدخل الأجنبي، وترك خلافات دول المنطقة لأهلها، ولكن وللأسف الشديد، فإن إيران لم تقم حتى الآن بما يتناغم مع شعارها الذي ترفع، وما تزال بخيلة جدا في إبراق رسائل الطمأنة لدول المنطقة، ومن الراجح أنها إن استمرت في بخلها ذلك، فستجد نفسها في حالة عزلة أكبر في المنطقة، وربما  تجد نفسها في مواجهة  مع دول المنطقة.

الملاحظة الثالثة: غابت مصر، وما كان لها أن تغيب

إن غياب مصر عن هذه الاتفاقية لأمر مؤسف جدا، وما كان لها أن تغيب عنها، فأمن مصر القومي وأمن المنطقة بشكل عام، سيتعزز بتوقيع مصر لهذه الاتفاقية، ونرجو أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن.

ختاما

إن اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك ليست موجهة ضد إيران، وإنما هي اتفاقية تسعى لبناء قوة عربية إسلامية قادرة على حماية أمن ومصالح دول المنطقة، وإذا كانت إيران حريصة بالفعل على إبعاد المنطقة عن التدخل الخارجي، وأن تصبح جزءا فاعلا في أمن واستقرار المنطقة، فعليها أن تسارع لبعث رسائل الطمأنة لجيرانها، وخاصة المملكة العربية السعودية، وربما يمهد ذلك لقبول انضمامها للاتفاقية، وبذلك ستتشكل النواة الصلبة لحلف عربي إسلامي قوي قادر على الدفاع عن مصالح العرب والمسلمين في عالم يمر بفترة مخاض قلقة.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين..


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى