
في يوم اللغة العربية.. الشيخ التقي ولد بلَّا الحسني
الناس في رقاب العُقل من جنبي تغرريت إلى الصفا إلى الأجرع الغربي فالجرذان إلى جنبتي ذي قسطل إلى أبير أولاد عيسى إلى لحجورية، الغارگات، لغشيوات، اكراع إيگنين، لحراث، حفرة حدن، لحويبي، أنيوليه، اطويله، الحفرة، العگله، تاذويديت، تنويكنينات، بوزگراره، تنحبشات، اسويكيه، آتيلت محم، لكراعات لمغاس، لمحيد ولمليد، تاتيلة، تن بام، اعريش لغراب، الزيره الدخنه، أغشورت، آوليك لعجب، تنوايوره، المحجر، شك الخيمة، أغورط، تنديجمار، لعويسويه..
الناس في هذه الربوع لهم العربية الفصحى وهم أحق العالمين بها انتفاعا فالرضيع بها يناغي وتكورها مرضعه قناعا وحين يعرضون ما ارتضعوه على كتب اللغة يجدونه معتمداً فيها.
بين هذه العُقل ولِدَ محمد التقي ولد بلا، على سهل تنديجمار ذات بوتةٍ بالغ فيها الرّكيز في الصلاح وعاد ماء كدح لخشيم على النواحي منتصف ثلاثينيات القرن المنصرم، لأبيه أحمدو يحيى بن بلا وأمه رايعة بنت محمدْ بن أحمد اغربظ. ينحدر والده من أسرة من أهل بابه حونّه، فرع أهل أحمد الشيخ من أولاد أعمر أكداش دارا، وأهل أكذ عثمان من تندغة نجاراً.
فطمته أمه رايعة قساً ونظم الشعر وأحكم قوافيه ولما يميز بين العطف والبدل، وشنّف الآذان بشذر يذم لها الزبرجد والنضار.
تركه والده للدنيا يافعاً غض الإهاب عام «الهوفة»، وهو أول عام يرى فيه التقي الشيخ ولد مكيٍّ. حدّث رحمه الله وقال: كنت في حراثة في چنگام، فإذا بالرجل «لِمغَربي» (دراعة بيضاء وأخرى زرقاء وعمامة مسبلة)، ولفت انتباهي ذلك الترف وقتَها، لتعذّر وجود تلك المترفات في عام رمادتنا ذلك!
درس في محظرة أهل أحويب الله الحسنيين عام «إسفرد» عند «احسي ول أعل زين»، وبعدها نهل من مورد الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيّه.
ودرس على الشيخ محمد حامد ولد آلا وهو أبرز شيوخه وكثيرا ما تحدث عنه بقوله: (كنت امع باب)
وذات تحصيل آخر عبّ من معين محمذن ولد عبد العلام، وسمع من شيوخ آخرين.
أحب التقي من الدنيا والدته رائعة، فكان براً بها وأحب ابنتيها وخالته:
صلى على عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها :: ليلى، وصلى على جاراتِها الأُخَر
وأحب باكية أخرى تهيج البواكيا، فكان ذكرها بحضرته نازعاً إلى إيرادات شعرية آية لأولي الألباب والأبصار.. لقد عرف قلب التقي الحب.
في مضارب بني حسن مضغ التقي مورق القيصوم، وفعل ما أتت أفعل التفضيل من حسن، وأحب شعر محمدو النانه ولد المعلى الذي كان الحسنيون حين إنشاده يقولون: «هذا ما أزين منو ماهُ: (الرحمن علّم القرآن)»، وأحبَّ أخاه محمدو الحسن، وروى عنه كثيراً وقد اشتهر بتفسير الأحلام، وأحب شعر غيلان ذي الرمة وغيلان نفسه حد التماهي، وشرح ديوانه شرحاً من نوادر ومفيدات شروحه، وأحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من شيعتهم، وأحب التصوف.
ومثلما أحب التقي أشياء كره أخرى، فكما أحب شعر محمدو النانه فإنه كره الشعر الحر، فقد ألقى عليه أحمدو ول عبد القادر ذات أنس قصيدتَه «كوابيس»، فسأله أحمدو عن رأيه فيها، فقال له: مَن يحفظ مثل هذا الذي لا يُعرَف أوله من آخره وجب عليه حفظ القرآن الكريم.
وكما أحب آل البيت كره بني أمية وبني العباس، وكما أحب التصوف كره أشياء أخرى.
ذات مقيل غِبّ الاستقلال طلب التقي من المختار ولد التقي («إپَّپَّ» علماً) أن يتوسط له للالتحاق بسلك التعليم، حدّث رحمه الله فقال: أخذ بيدي إلى مكتب الحضرامي ولد خطري، ويومها كان وزيراً للتعليم، فجئناه وكانت الساعة عصراً، وكان دوام الحكومة وقتها صباحاً ومساءً، فوجدناه يتوضأ عند باب مكتبه، ونتج عن الكلام بينه والمختار ولد التقي، بعد انفتاله من الصلاة، أن اكتُتبت معلماً للعربية في اكصر «ڭيدڭار». حدّث التقي فقال: جئت لڭيدڭار حيث اشتداد الحر وكثرة البعوض، ولا يروح عليه من ذوات الأربع غير فرس وكلب، ولا أنيس به غير تاجر بيظاني من بلادته أنه منذ عشرين سنة وهو مقيم مع «لكور» لا يفقه من لغتهم ولا كلمة واحدة. تعشيت أول ليلة بوجبة أغلبها «گيچ»، وبقراتنا يومها «وُلّدْ» عند لعويسوي حيث معرّس الأهل !!.
درّس التقي في غير ما محل من «لكصور» مثل ڭيدڭار وكرلل.. إلخ.
درّس التقي في دگانَه أيام كان الداه ول أگليل العار حاكماً لها، كان التقي يثني على امتلاك الداه ناصية علوم اللغة والنحو ويقول: الداه ما لحن في جد ولا هزل.
ودرس التقي في «مدرسة بُدّ» (المدرسة رقم 1 في لگوارب) وتولّى إدارتها، وقال إنها بقية مما ترك آل موسى.
من حكاياته أنه كان مرة في ريعان شبابه يداوي الجرب في «لبّطان» بوتلميت، وكان جالساً بجنب منزل يتفحص المارة، فتشاجر ولدان وجاءهما «حد ماهُ زاحلْ» لفض النزاع، فذكّره المشهد بقول لمغني:
علمني ملان يحد :: احظر لاغوي أولاد احمد
وانظر منت انصبوه افسد :: افطرف الحصره لكصاني
فآخر لمجاريح اتسند :: حرطانِي مژضوف ءُ ضاني
يَدنو يمشي بعد أشَدْ :: ژدفُ من ژدفْ الحرطاني
ومرة كان عند أهل احويبله زمن الدراسة ومعه أحد أبناء حندي يراوده أن يكتب له ربع الألفية، فاشترط عليه كأجرة للكتابة أن يأتيه ببشارة فجاءه يوماً وذكر له «خلطه منزل ماهم ابعيد.. عبار ة عن اعزيب ما ياسرين رجالتو»، فورد عليه في ذلك قول الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيده:
مذكوره ملات الليعات :: اخديجات ألا فاكْسَيبات
اتراوغ لِمظلْ ؤ لِمبات :: يسدّر بيها معطله
ألا معطله واخديجات :: ألا ذَ حالتْ معطَ الله
درس في مدرسة بالعگل، وذات يوم تخلف ابنٌ لإحدى نساء القرية – ممن يذكرن بمنعرج اللوى، فجاءت بصحبته إلى التقي شافعةً له، فدقّت الباب ليفتح التقي فإذا بها على حين غرة، فتمثل بقول القائل:
جزى الله يوم الروع خيراً فإنه :: أرانا على علاته أم ثابت
أرانا ربيبات الخدور ولم نكن :: نراهن إلا عن بواغ بواغت
والمعنية هذه هي التي يقول فيها فاد ولد الخرشي مخاطباً التقي:
واكتن ولادم ما ايصيب :: عن يلڭ بعض احبابُ
ال زايركم لا ايجيب :: التقي ولّ جابُ
ذات درس ضرب التقي أحد الأولاد، وحين علمت أمه جاءت إلى التقي مغاضبةً، فأسمعته كلاماً وتولت، فقال له أحد مَن كانوا على مقربة منه، ما بال هذه؟ فتمثل التقي:
فردت سلاماً كارهاً ثم أعرضت :: كما انحاشت الأفعى مخافةَ ضارب
يحكى أنه ركب في سيارة مع رجل امحالي لوحو، فسأله في ثنايا «شد لخبار»: هل سبق له أن عمل في لكصور؟ فأجابه التقي: وهل أفنى شبابي غير هِرْ؟ فقال له الرجل: هِرْ شنهو؟
قال له: وقّف انّگّزْ عنك، آن نختير إنيتي عن اتفاك لفدام.
في أوراقه المدنية أنه ولد عام 1938 في نواكشوط/ لكصر، إلا أنه ولد في ضواحي تنديجمار منتصف الثلاثينيات. ويحكي أحمدو ولد عبد القادر أنه كان يتجنب التدخين أمام التقي، ومرة نقص التقي من سنِيّه حتى صار أصغر من أحمدو بسنتين، فصار لا يتجنبه بالتدخين.
في لگوارب كان يعتاد المسجد وحِلَقه، وذات حلقة نقاش تحدث أحد العوام الحاضرين عن أمر فطلب منه الدليل، فقال إنه في «الجزع الرابع» من إحياء علوم الدين، فضحك الناس من قوله: «الجزع»، فقال التقي: لا عيب ولا لحن فيما قال الرجل، فالجزء والجزع معناهما واحد، كلاهما يطلق على القطعة وأورد بيت زهير:
ظهرن من السوبان ثم جزعنه :: على كل قيني قشيب ومفئم
تلقف التقي أيام تجارة له «گبلتْ لبحر» شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، فزادت تلك المطالعات ما كان قد وقر في صدره من حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحبهم وتشيع لهم، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم، لا يسب الصحابة، وأما غيرهم ممن نال أهل البيت منهم أذى فحدّث ولا حرج.
إذا ذكر يزيد أو مروان أو عبد الملك، قال بديهة وفي غير روية: «ورخست يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها».
ومثل ذلك عند ذكر الأمويين باستثناء معاوية وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما.
وأما العباسيون فقد شملهم سبابه من بعد السفاح إلا المأمون، وما في الرب تعلمه كمبا.
ومن الطريف أنه كان ضمن مصَحِّحي إحدى مسابقات دخول السنة الأولى من التعليم الإعدادي في لگوارب، فانسحب من قاعة التصحيح حين فطن أن من بين المصححين رجل اسمه: المرواني.
نهاه أحد الأطباء عن شرب ماء منهل لملوحته التي قد تضر به فأنشد:
لئن لبن المِعزَى بماءِ مُوّيشل :: بغانيّ داء إنني لسقيم
كان كثير الزيارة للعلامة الشيخ اباه ولد عبد الله في النباغية، وكان يعرض عليه شرحه لغيلان، وذات مجلس سأله العلامة اباه عن بعض المعارف، فكان يجيب فلان توفي وفلان ضعيف، وعندما سأله عن رجل قال: ذاك مسكين خَرِفَ لم يعد يعرف الناس، لم يعد يعرف إلا «الفظة»!.
فقال العلامة اباه: الفظه هي إلّ آش؟
فقال التقي: لا تُنسى لأنها قلوب طويناها على خالص الود. فضحك الناس.
ناهزت الدواوين الشعرية في رفوف مكتبة التقي سبعين ديواناً. وكان يأتي لنواكشوط لماماً ويوزع تلك الأيام والليلات بين بيتي ابن عمه محمد المصطفى ول بدر الدين، ورفيق شبابه أحمدو ول عبد القادر.
حديثه عذب لا يمل ومجالسه متراح لا يكل، فهي كما قال العالم الجليل بدي ول الدين:
معاطاة كاسات العلوم مع التقي :: تباين كاسات المدام المعتق.
أخذ التقي الطريقة التيجانية عن الشيخ الحاج ولد المشري، كان متكلماً بالقرآن. لما أتاه التقاعد «رترت» كتب رسالة إلى الشيخ الحاج كتب فيها الآية: «ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ».
كان حادا في صراعاته. كان يحاكي العرب العرباء في مقتنياته وسيرته كالفروسية وغرس النخيل.
باغته المرض وعاناه أشهراً، وسافر إلى المغرب بقصد علاجه، وقبل وفاته بأيام زاره الشيخ الحاج ولد المشري صحبةَ آخرين لعيادته، ولما ودّعوه أنشد:
وأعلم أني لم تصبني مصيبة :: من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
وأردف:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا :: ولكن لا خيار مع الزمان
وفي حدود الثامنة صباحا يوم الخميس السابع عشر من مايو 2007 أسلم التقي الروح إلى بارئها، وصلى عليه الحاج المشري ودفن في تنديجمار رحمه الله.
وقد ورثاه الشاعر النابه لمرابط ولد دِياه رثاء بليغا:
غاب عنا التقي غاب التقي :: صفة كاسمه التقي النقي
غاب شيخ ذو هيبة ووقار :: ألمعي إن تلقه أصمعي
غاب شيخ لله حقا صفي البال إن التقي عبد صفي
فستبكيه حالكات الليالي :: وسيبكيه المجلس الأدبي
وحري بنا البكاء عليه :: لن يلوم الشجيَّ فيه الخلي
بيد أن الفقيد قدشام برقا :: ودعاه نعيمه الأبدي
فكن الله للتقي أنيسا :: وتولى التقي أنت الولي
وارض عنه واخلفه في الأهل واجعلهم كما يرتضي الفقيد التقي
فإذا ما سلوا سلونا وإنا :: غاب عنا والله شهم أبي
فوداعا لو كان يجدي وداع :: أيها الشيخ والصديق الوفي
كامل الود


