
نحو مقاربة شاملة للحد من الجريمة في أوساط الشباب- محمد الأمين الفاضل
إن أي بحث سريع في القواسم المشتركة بين مرتكبي الجرائم البشعة التي هزت الرأي العام الوطني خلال السنوات الأخيرة، سيُظهر أن نسبة كبيرة من تلك الجرائم ارتكبها شباب أو قُصَّر، تسربوا من المدرسة أو لم يدرسوا أصلا، يتعاطون المـخـدرات، ومن أصحاب السوابق، وكان يُفترض في بعضهم أن يكون خلف القضبان ساعة ارتكابه الجريمة.
فمن المسؤول عن عدم دراسة هؤلاء؟
ومن المسؤول عن تسربهم من المدرسة؟
ومن كان وراء تعاطيهم المخدرات، ومن وفرها لهم؟
ومن المسؤول عن إطلاق سراحهم قبل اكتمال فترة عقوبتهم، ليرتكبوا المزيد من الجرائم؟
كثيرون طالبوا بالبحث عن عصابة الأشرار التي ارتكبت أصنافا صادمة من الجرائم من خلال التعذيب وإهانة الكرامة البشرية، في حق شاب أو شباب آخرين، وهي جرائم وُثِّقت بالصوت والصورة، وتم تداولها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.
إني أقف مع كل المطالبين بإنزال أقصى العقوبات الرادعة بمرتكبي تلك الجرائم الفظيعة والصادمة، فكل من شارك في تلك الجرائم البشعة، يجب أن يُعاقب بأقصى عقوبة لأنه مسؤول جنائيا عمَّا ارتكب من جرائم.
إني مع كل أولئك في مطلبهم، وعلينا جميعا ألا نتوقف عن رفع ذلك المطلب حتى ينال المجرمون ما يستحقون من عقاب، ولكن دعونا ـ بالإضافة إلى رفع ذلك المطلب ـ نطرح سؤالا جوهريا أصبح لابد من طرحه، بعد تزايد الجرائم الصادمة التي يقف خلفها قُصَّر أو شباب، فهل المسؤولية في ارتكاب تلك الجرائم يتحملها المجرمون الذين ارتكبوا تلك الجرائم وحدهم، أم أن هناك جهات أخرى تتحمل جزءا من المسؤولية؟
بطبيعة الحال، فإن تلك الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بإدانات فردية فقط، فإذا كانت المسؤولية الجنائية يتحملها مرتكبو تلك الجرائم وحدهم، فإن هناك آخرين يتحملون جزءا من المسؤولية، وذلك لأنهم شاركوا ـ من وراء حجاب ـ في ارتكاب تلك الجرائم، ويتحملون أخلاقيا ـ على الأقل ـ جزءا من المسؤولية، فهل تجب محاسبتهم هم أيضا إن كانوا شركاء حقا في الجريمة؟
هذا سؤال كبير وخطير لا أمتلك القدرة ولا الشجاعة للإجابة عليه، ومع ذلك أستطيع أن أقول، وبكل اطمئنان، بأن خلف كل قاصر أو شاب ارتكب جريمة، توجد أسرة فشلت في تربيته حتى تحول إلى مجرم، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومدرسة فشلت في تعليمه، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومجتمع بكامله، بعلمائه ومربيه ومنظماته المدنية وصحافته، يتحمل هو أيضا جزءا من المسؤولية، لأنه فشل في توجيه واحتضان وتحصين ذلك القاصر أو الشاب الذي كان في الأصل طفلا وديعا وبريئا، قبل أن يتحول إلى مجرم من عتاة المجرمين، يرتكب أبشع الجرائم، ويصورها ويتفاخر بها!
ويتحمل أيضا القضاء وإدارة السجون، وكل الجهات الحكومية المعنية، جزءا من المسؤولية، فالسجن قد يأتيه طفل صغير في سنة أولى ابتدائي من مدرسة الإجرام، فيمنحه في أقل من سنة أعلى الشهادات في عالم الإجرام، ولو كانت مدارسنا تُعَلّم وتُكَوّن وتُخرِّج بنفس سرعة تعليم وتخريج السجون للمجرمين، لحدثت في بلادنا ثورة في التعليم.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء وجهات التحقيق ومصالح السجون مسؤولة كذلك عن الكثير من الجرائم التي يرتكبها مجرمون، كان يفترض فيهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكابهم لجرائم جديدة. فحين يلقى القبض على مجرم متلبس بالجريمة، فيطلق سراحه في اليوم الموالي، أو الشهر الموالي، أو قبل أن ينهي فترة عقوبته، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح لم يعد يتعلق بطبيعة الجريمة الموالية، بل أصبح يتعلق بمن سمح بارتكابها.
قبل خمس سنوات تقريبا، في يوليو2021، وبعد سلسلة من الجرائم البشعة التي عرفتها العاصمة نواكشوط، نظمت جمعية خطوة للتنمية الذاتية جلسة نقاشية حول الجريمة وآليات محاربتها، شارك فيها خبراء ومختصون في القضاء والأمن وعلم الاجتماع، وخلص المشاركون بعد نقاشات معمقة إلى أن الحد من تفشي الجريمة في صفوف الشباب، يتطلب معالجة متعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على الحلول الأمنية، وأصدروا بعد نقاشاتهم توصيات عديدة تدعو في مجملها إلى معالجة جذور المشكلة من خلال التنشئة الصالحة، والتعليم الجيد، ومكافحة التهميش، والحد من البطالة، ومحاربة الإدمان، بدلا من الاكتفاء بالجانب الأمني وحده.
ويمكن تلخيص تلك التوصيات في خمسة محاور:
1 ـ على المستوى الوقائي (التعليم والتنشئة)
• فرض إلزامية التعليم، مع تكفل الدولة بالأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل؛
• دعم الأسرة ببرامج توجيه وتوعية لتعزيز دورها التربوي؛
• إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية لاستيعاب طاقات الشباب؛
2 ـ على المستوى الصحي والاجتماعي
• إنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل؛
• التصدي لمظاهر التهميش والغبن وتعزيز العدالة الاجتماعية؛
• إطلاق حملات توعية وتحسيس مستمرة يشارك فيها مختلف الفاعلين؛
3 ـ على المستوى الأمني والقانوني
• إشراك المواطنين في حفظ الأمن عبر آليات مجتمعية فعالة؛
• إنشاء شرطة الجوار وتعزيز الحضور الأمني القريب من المواطنين؛
• تحيين الترسانة القانونية وتطوير قدرات القضاة وأعوانهم؛
• تنفيذ الأحكام القضائية بصرامة وعدالة؛
• تعزيز مراقبة الحدود ومراجعة سياسات الدخول؛
4 ـ على مستوى إعادة الإدماج
• تفعيل المؤسسات الإصلاحية لإعادة إدماج أصحاب السوابق؛
• فرض الخدمة المدنية وإطلاق برامج تأهيل إلزامية للشباب المعرضين للانحراف؛
5 ـ على المستوى المؤسسي والاستشرافي
• إنشاء مرصد وطني للجريمة لتحسين جمع البيانات وتحليلها؛
• إشراك مراكز البحث في إعداد سياسات استباقية؛
• إنشاء معهد وطني للطب الشرعي والأدلة الجنائية؛
• تعزيز التخصص داخل الأجهزة الأمنية ورفع كفاءتها.
ختاما
إن تنامي الجريمة في صفوف القُصَّر والشباب يعود إلى أسباب عديدة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالنشأة وغياب دور الأسرة، ومنها ما يرتبط بالتعليم وضعف أداء المدرسة، ومنها ما هو ناتج عن غياب الاحتضان المجتمعي، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب.
وعليه، فإن أي سياسة فعالة للحد من الجريمة يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة، تعالج كل الأسباب، ولا تتجاوز أي مرحلة من المراحل، بدءا بالتنشئة، وانتهاءً بالتشغيل، مرورا بالتعليم وملء الفراغ بأنشطة ذات نفع عام من خلال حاضنات ثقافية ورياضية قادرة على استيعاب الطاقات الشبابية.
حفظ الله موريتانيا…
محمد الأمين الفاضل

