
لكي نفهم الأدب (13) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
كان طليحة بن خويلد الأسدي مقربا من كسرى وحضر معه ذات مرة عيدا من أعياد الفرس فلما دارت الخمر غنى مغني الحاضرين من العرب:
لا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِـدْرِ يَرْقُبُهُ ** ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
(لأعشى باهلة) فسأل كسرى عن معنى البيت فترجم له فاستقبحه، ثم غنى:
أتتك العيس تنفخ في بُـرَاها ** تَكَشَّفُ عن مناكبها القُطُوعُ
(للأعشى أو عبد الرحمن بن الحكم أو زياد الأعجم) فسأل كسرى عن معناه فعجز الترجمان عن نقله إلى الفارسية، فقال أحد جلساء كسرى: “أُشْتُرْ أُفْ، أُفْ” (الجمل ينفخ، ينفخ) فاستسخفه أيضا، ثم غنى المغني بالفارسية غناء طرب له كسرى واستخفه حتى شرب كأسه قائما، فقال طليحة للترجمان: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟
فقال: خرج يوما متنزها فلقي غلاما حسن الصورة وفي يمينه وَرْدٌ فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعر فإذا غناه المغني ذلك الشعر طرب وفعل ما رأيت. فقال طليحة: ما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فاستفسر كسرى ترجمانه عما دار بينه وبين طليحة، فأخبره به، فقال: قل له: إذا كان هذا لا يطرب فما الذي يطربك أنت؟
فقال طليحة: قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطــلال ** وسؤالي وما ترد سؤالي
قال كسرى: وما معنى هذا؟ قال: هذا شيخ مر بمنزل محبوبته فوجده خاليا قد عفا وتغير فوقف فيه وجعل يبكي، فضحك كسرى وقال: وما الذي يطربك من شيخ واقف في خَرِبَةٍ وهو يبكي؟! أوليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يُطرب له؟! ثم استثقل كسرى طليحة بعد ذلك.هذه القصة تعبر بعمق عن الاختلاف الحضاري الثقافي، وعن خطورة الترجمة.. خصوصا إذا كانت حرفية. ولحكمة بالغة ارتبط إعجاز القرآن العظيم وحجته الخالدة بالنص العربي المبين، ولم يعتبر ما ترجم من معانيه إلا تفسيرا للمعاني وليس ترجمة للنص الإلهي المحفوظ.
