
لكي نفهم الأدب (4) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
يقول أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي مستهلا قصيدة من أربعين بيتا يمدح بها شجاع بن محمد الطائي المنبجي:
اليوم عهدكمُ فأين الموعد؟ ** هيهات ليس ليوم عهدكمُ غدُ!
إن التي سفكت دمي بجفونها ** لم تدر أن دمي الذي تتقلدُ
قالت – وقد رأت اصفراري-: من به؟ ** وتنهدت.. فأجبتها: المتنهدُ!
فمضت وقد صبغ الحياءُ بياضَها ** لوني كما صبغ اللجينَ العسجدُ
ويستمر في قصيدته الغراء (وما أكثر الغُر في شعره!) ليقول في بيتها التاسع:
أبلت مودتها الليالي بعدنا ** ومشى عليها الدهر وهو مقيد
ورغم أني حفظت شعر المتنبي وأنا مراهق وعايشته حتى حسبتني فهمته، فقد نبهني فضيلة القاضي الداه بن حمين (شيخ محظرة بدر الآن) في ليلة ماطرة من خريف عام 1987 إلى نكتة لطيفة في عجز البيت الآنف ذكره لم أنتبه إلى كنهها قبله، هي القضاء الكلي على المودة وعُفُوُّ أثرها من خلال الحديث عن الدهر وكأنه جمل مقيد، مع ما يلزم من ذلك من الإتلاف جراء ثقل الوطء وتقارب الخطو.
استلطفت المعنى واقتنعت به ثم عدت من بعدُ إلى شراح شعر المتنبي كالعكبري والواحدي وغيرهما فوجدت الأمر كما قال صديقي الفاضل. فمثلا يقول الواحدي:
أي أبلاها بُعد العهد وأنساها مودتها إيانا ويروى “مودتنا الليالي عندها”. وقوله: ومشى عليها الدهر وهو مقيد مبالغة في الإبادة أي وطئها وطأ ثقيلا كوطء المقيد؛ وذلك أن المقيد لا يقدر على خفة المشي ورفع الرجلين فهو يطأ وطأً ثقيلا كما قال:
وطء المقيد نابت الهرم.
وقال ابن جنى: هذا مثل واستعارة؛ وذلك أن المقيد يتقارب خطوه.. فيريد أن الدهر دب إليها فغيرها، وهذا الذي قاله يفسد بقوله: عليها. ولو أراد ما قال لقال: ومشى إليها الدهر.. كما قال أبو تمام:
فيا حسن الرسوم وما تَمَشَّى ** إليها الدهر في صور البعاد.
(انتهى الاستشهاد)
والإشارة في قول الواحدي: “كما قال” إلى الحارث بن وعلة الجرمي، والشطر من بيت هو بتمامه:
ووطئتنا وطْأً على حنقٍ ** وطء المقيد نابت الهرم.
وشرحه القالي في أماليه بالقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذه الشجيرة. وخص المقيد لأن وطأته أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. والهرم: ضربٌ من الحمض، يقال جملٌ هارمٌ، وإبلٌ هوارم إذا رعت الهرم. وانتصب وطء المقيد على البدل، أي وطْأً يشبه هذا الوطء. ومما حكي عن العرب: أعوذ بالله من طئة الذليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد، لسوء ملكته كما قال الآخر:
ولم يغلبك مثل مغلب.

