الأخبار

ظرافات وظرفاء (69) الأستاذ/ محمدو سالم ولد جدو

في أواخر القرن الميلادي الماضي كنت أدرّس قسما يضم شابين ولفيين لا تنقطع سخريتهما بكل ما حولهما، وكان لي نصيب من ذلك؛ فربما علقا ساخرين بالولفية على بعض كلامي بالعربية دون أن يشعرا بأني أعرف الولفية مثلهما.
كنت أود لو ضحكت من بعض نكتهما وأمتنع عن ذلك تجنبا لما قد يشعران به من حرج. وأذكر أن أستاذا كان الجدول يقضي بأن يقدم الحصة الأولى لقسمهما فتغيب فبقوا بانتظار الحصة الثانية التي كانت منوطة بي، بعد فراغي من الحصة الأولى في قسم آخر. وأثناء ذلك خرجت إلى مكتب المدير فمررت بهما ضمن زملائهما، فسألني أحدهما متجاهلا: “متى تكونون علينا” فأجبته بأني سأكون معهم – ولكن على الأرض- بعد العاشرة بإذن الله. (كل هذا بالعربية) فقال زميله بالولفية: “أنت قوي، ولو شئت لجمعت قسمين تعطي كلا جملة أو تشرحها له ثم تثب إلى الآخر”!
بعد فترة جرت على هذا المنوال كنت يوما أقف في مكان وقفت به عدة سنوات وبلوت جميع أرجائه، وكانت خلفي أطراف أسلاك إنارة بارزة من الجدار، فقال أحد الفتيين بالعربية: “أستاذ.. احذر من الكهرباء!” فقال له زميله زاجرا: “بايكُ مُماص تِمُوم” (دعها تصعقه) فمر هذا كما مر غيره.
وفي أحد الأيام حدث ما حرصت على تجنبه.. شرحت مفردات نص أدبي فاستشكل صاحب الرأي الأخير كلمة مما شرحت فحاولت إفهامه إياها بنظائرها دون جدوى، وفجأة انتبهت إلى أن بإمكاني إفهامه بلسانه الولفي (دون قصد إحراج ولا تذكر سببه) فبدأت أفهمه المقصود بالولفية.
بمجرد شروعي في الحديث بالولفية أخرج الطالب لسانه خجلا وشحب وجهه واعتراه حال غريب! وما زال منظر لسانه الضخم المكسو بطبقة من القهوة ماثلا في ذاكرتي إلى اليوم.
هنا انتبهت – بعد فوات الأوان- إلى الخطأ الذي ارتكبته؛ فقد أخجلت شابا مرحا من أجل إيضاح كلمة لا تساوي الثمن المعنوي المترتب عليها!
لم ينظر الشاب إلى وجهي بعدها، ولم يمرر أمامي إلا منحنيا حتى انتهت السنة الدراسية، ومن حسن حظه أن كان في سنته النهائية فلم أره بعد ذلك، وإن كنت أحييه وأهوّن عليه إن قرأ هذا الموضوع.
قبل ذلك بسنوات كنت بانواذيبُ، وكان صديق لي قاضيا هناك، وكان يجد صعوبة أحيانا في ترجمة أمينة عن المتهمين الأفارقة وإليهم، لذا كان يستعين بي في بعض الأحيان.
في أحد الأيام عقدت جلسة حضرها جمهور غفير وتضمنت ملفات كثيرة ومتهمين كثيرا كان نصيبي منهم متهما غاني الجنسية تدافع عنه محامية مغربية تزوجها محام موريتاني يعمل الآن سفيرا لبلادنا في إحدى كبريات مدن العالم.
ونظرا لعدم وجود مترجم للإنگليزية اختار المتهم الولفية وطلبت المحامية أن تكون الترجمة عن موكلها بالعربية الفصحى لتستوعبها نظرا لحداثة عهدها بالناطقين بالحسانية.
أقسمتُ يمين المترجم وبدأت أرافق الغاني في ترجمة فورية لم تدع لي فرصة لانتقاء المفردات المناسبة إلى أن قال: “تسوفكنتني نونُ له مضو بُياگ، دو منيو تدلو، تانوات تدلوسوات كن جبومه وقتُ بوبُ” فقلت: “ولو كان الأمر كذلك لفررت منذ زمان، ولما تجشمت عناء الحضور فالذهاب فالحضور فالذهاب، فلم أكن معتقلا آنذاك”!
علت الأصوات من القاعة استحسانا للترجمة ولكن شيخا في المقدمة كان له رأي آخر. لم يصدق أن ما سمعه عجميا من المتهم هو ما سمعه مني عربيا فصيحا؛ لذا نظر إلي شزرا وقال: “الله ينسخك مكذبك”!


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى